مناقشة المشكلة
_________________________________________
يهدف هذا الفصل إلى إبراء ذمم كل من ( الدين والعلم والتجارب) ، من تهمة التأصيل لمبدأ حتمية وجود فارق سني بين الزوج والزوجة ولو حتى من منطلق الأفضل والأحسن ، ويتم سوق الأدلة في كل مجال من مصادره الأصلية ، فأدلة الدين من الكتاب والسنة ، وأدلة العلم من علمي الاجتماع والنفس ، وأدلة التجارب من التاريخ البشري بعيده وقريبه
_________________________________________ .
نحن هنا نتعرض لمسألة شديدة التجذر في الوعى الجمعي ، ولذا فإننا سنواجهة بأربعة أسلحة ، هي – قطعا – مجتمعة أقوى من أى صنم اجتماعي يبذل له المجتمع قرابينه ، ولكن منعا لالتباس الفهم فإننا نقرر أننا لا نبني قاعدة تقول بحتمية المساواة السنية بين الزوجين ، ولكننا ننتهك قدسية قاعدة تقول بحتمية عدم المساواة ، وذلك لمصالح اجتماعية هي بالتأكيد أهم منها .
أولا : الديــــــــن
قبل أن نبدأ الموضوع يجب أن نسلم بثلاثة أمور :
1- أن الشارع الحكيم لم يترك لنا خيرا إلا أمرنا به ، ولم يترك لنا شرا إلا نهانا عنه، على النحو الآتي : إن كان هذا الخير خير مطلق أوجب أو فرض الالتزام به ، وإن كان هذا الخير خير نسبي أي لا يترتب على تركه أذى للإنسان ، فيقوم الشارع بندبه فقط ، وإن كان ذاك الشر شر مطلق ، فإن الشرع لا يتردد في تحريمه ، لأن مرتكبه لن يجلب له ولمجتمعه إلا الأذى المحض ، أما إن كان الشر شر نسبي فإنه يكرِّهه فقط .
2- أن الحياة الاجتماعية - خاصة - لم يترك لنا الله سبحانه وتعالى لنا أي تدخل في أصول بنائها ، لأنه وحده هو صانع عالم الإنسان ، وهو الأعلم بخبايا نفسه " وَلَقدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أًقْرَبُ إِلِيهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ " ، فالأحكام التي نزلت لتنظيم الحياة الاجتماعية أكثر وأدق بكثير من الأحكام التي نزلت لتنظيم الحيوات الأخرى ، كالحياة المدنية، أو السياسية، أو الاقتصادية ، والدليل العملي أن البلاد العربية استطاعت أن تستبدل بالأحكام الفقهية القوانين الوضعية في كافة مجالات الحياة ما عدا ما يطلق عليه الآن ، قانون الأحوال الشخصية ، لأن مادته الإٍسلامية كبيرة جدا وتستعصي على المخططات الغربية لهدمها ، أو استبدالها .
3- أن الكلام في هذا الأمر من باب " فذكر " أولا ، ثم من باب " وإن تنازعتم في شيء " ثانيا ، وإلا فكل الأحكام المذكورة في المجال متعارف عليها .
إذا الزواج ، كواحد من أهم الظواهر الاجتماعية يأخذ الأحكام الفقهية الخمسة :
أولا : فرض :
لم يوجب الله سبحانه وتعالى على أي مسلم أن يتزوج نوع ما من النساء ، فضلا عن أن يتزوج في سن معين أو من سن معين ( بعد البلوغ طبعا ) ، وكل أمر جاء في القرآن عن الزواج جاء على سبيل الندبة والاستحباب ، لا على سبيل الإلزام ، والفرض أما الأحاديث فينطبق عليها ما ذكرناه ، إلا ما زاد على ذلك من توبيخ الرسول وزجره الشديدين لمن يستطيع الزواج ، ويقدر عليه ، ولا يتزوج .
ثانيا : واجب أو مستحب :
لم يرتبط الأمر في القرآن والسنة – والذي يفهم منه الاستحباب – بالزواج من سن معين حيث جاء الأمر بالزواج موجه إلى ثلاثة جهات :
1- الرجل الذي يريد الزواج :
أ - من القرآن :
* " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " فهنا ربط الله مسألة الزواج بالقلب وحده ، لأن الطيب لا يأتي إلا من النفس فنقول طابت نفسه ولا نقول طاب عقله.
* "فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن" ، هنا ربط الأمر بإذن الأهل ، و الآية لم تقل " برضا أهلهن " ، وإنما قالت بإذنهم ، وقد يأذن الإنسان بشيء غير راض عنه قلبيا.
إذا النتيجة التي يمكن أن نستخلصها من آيات الخطاب القرآني للرجال بالزواج أنها لم ترتبط بسن ، وإنما ارتبطت بأمرين ، أن ترتاح النفس للمرأة ، وأن يأذن أهلها ، إذن لم يشترط الله فيه أن يتعدى ألسنتهم إلى قلوبهم .
ب - من السنة :
* حديث تنكح المرأة لأربع ، حيث جاء الأمر في نهاية الحديث " اظفر " مرتبط بدين المرأة فقط .
* حديث تزوجوا الودود الولود ، حيث جعل الأمر في بداية الحديث " تزوجوا " مرتبط بصفتين أحدهما خُلقية ( سيكولوجية ) وهي : الودود من النساء ، والأخرى خِلقية ( فسيولوجية ) وهي كثرة الإنجاب ، وهنا إفادة أخرى : أن السنة لم تهمل هذا النوع من الصفات الفسيولوجية – والسن صفة منها - إهمالا تاما وإنما ركزت على المفيد منها ، وأهملت ما هو غير ذلك .
* حديث "تخيروا لنطفكم , وانكحوا الأكفاء , وأنكحوا إليهم " ، حيث ربط الأمر هنا بالكفاءة والتي يقال فيها كلام كثير، من أول أن كل مسلم كفء لأي مسلمة ، إلى من طالبوا بالكفاءة في كل شيء .
2- أهل الزوجين :
أ – من القرآن :
" وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم " هنا جاء الأمر للأهل ، وربط الأمر هذه المرة بالصلاح فقط ، سواء كان تفسير هذا الصلاح التقوى ، أو أن يكونوا صالحين للزواج نفسه ، إذا لم يطلب الشارع من أهل الفتاه أن يزوجوها إلى رجل له سن معين أيضا.
ب – من السنة :
* حديث إذا جائكم من ترضون … ، حيث جاء الأمر في الحديث " زوجوه " مرتبط بالدين والخلق فقط ، وأكد الأمر بالتحذير من عواقب عدم الامتثال لهذا الأمر " فتنة في الأرض ، وفساد كبير " وقد حصل .
3- المرأة التي تريد الزواج :
لم يرد في القرآن أو السنة أي أمر موجه للمرأة لتزويج نفسها
ثالثا : مكروه :
ورد في نصوص القرآن والسنة بعض النهي عن أنواع معينة من الزواج على سبيل الكراهة – وليس منها بالطبع أن يكون الزوجان من سن واحد - ومنها :
1- نكاح الزانية ، فالنهي عن نكاح الزانية من المسلم ، و نكاح الزاني من المسلمة جاء على سبيل الكراهة الشديدة.
2- "إياكم و خضراء الدمن ، قالوا : وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء" ، فهذا نهى من رسول الله على سبيل الكراهة ، وإن كان الحديث فيه ضعف ، ولم يجزه بعض العلماء .
3- زواج الكتابيات ، فعلى الرغم من أنه حلال شرعا ، إلا أن فهم عمر بن الخطاب لحال الأمة زمانه جعله يرغم صحابي على تطليق زوجته الكتابية حتى لا تفتن المسلمات في دينهن ، وقد أمرنا أن نقتفي سنن الخلفاء الراشدين المهديين من بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم) .
وكنت أظن أن زواج الأقارب من المنهي عنه في الإسلام كراهة ، ولكنني بعد البحث الطويل وجدت أن كل الأحاديث التي وردت فيه ضعيفة ، وأن الكلام في هذا الموضوع يعتمد على مرجعية العلم .
رابعا : حرام :
وهذا الباب لأهميته ، وترتب مخاطر جمة عليه ، أفرد له القرآن مساحة واسعة ، وقد جمعت الآية " حرمت عليكم أمهاتكم …" معظم هذه المحرمات ، إلى جانب تحريم المشركات .
خامسا : مباح :
وهو المسكوت عنه ، لا أمر الله به ( وجوبا أو استحبابا ) فنأتيه ، ولا نهى عنه ( تحريما أو كراهية ) فنجتنبه ، وإنما سكت عنه فلا نسأل عنه ، ومعنى ألا نسأل عنه أي لا نحتكم إلى الدين في موضوعه ، وإنما قد نحتكم إلى مرجعيات أخرى كما سنرى…
ثانيا : العلـــــــم
نوقش هذا الموضوع في علمين الأول علم النفس ، والثاني علم الاجتماع ، وقد أخذ علم النفس بالشق ( الفسيولوجي ) ، بينما أدرجنا الشق ( السيكولوجي ) في علم الاجتماع على النحو التالي :
1- علم النفس :
الكلام في هذا الموضوع طويل جدا ، ومعقد جدا ، خلاصته أن علم النفس بمساعدة مجالات التنمية البشرية توصل إلى احتياج الرجل والمرأة لست حاجيات ( نفسية ) لكي تنجح العلاقة الزوجية بينهما ، متى توافرت هذه الست حاجيا في الرجل بالنسبة للمرأة وفي المرأة بالنسبة للرجل ، استقامت حياتهما مع أي سن ، وتحت أي ظرف ، وقد يرى القارئ أن هذه الحاجيات بها شيء من التعميم ، والهلامية ، وذلك لأنها مجرد رؤوس أقلام ، ولو وضعت بجانبها فقط التطبيق العملي لكل قاعدة ، والأمثلة عليها ، لاستحال الأمر .
أولا : أشياء تحتاج المرأة إليها من الرجل :
1- العناية :
تحتاج المرأة إلى أن ترى زوجها شديد الحرص عليها ، وعلى العناية بها ، وليس فقط بأن يعتبرها جزء يكمل به حياته الشخصية الأثيرة التي يعمل من أجلها فقط .
2- التفهم :
تحتاج المرأة إلى من يفهمها ، ويقدر فكرها ، حتى وإن عارضه في قليل أو كثير المهم ، أن يستطيع تفهم ما يصدر عنها من مواقف وأفكار ، وذلك بمعرفة الخلفيات التي تصدر منها هذه المواقف .
3- الاحترام :
تحتاج أيضا إلى الاحترام ، وذلك بأن يحرص الرجل على شعورها ، وآرائها، وليس معنى ذلك أن يوافقهما على طول الطريق ، والأهم من ذلك احترام ما تقوم به من جهد وتقديره لهذا الجهد
4- التفاني :
تحتاج المرأة إلى الشعور بأن زوجها يتفانى من أجل رضاها ، والحرص على سعادتك.
5- التأييد :
تحتاج أيضا إلى من يؤيد شعورها ، وليست أفكارها ، لأن المشاعر لا يمكن أن تناقش خاصة من قبل الرجال .
6- الطمأنة :
تحتاج إلى من يشعرها دائما أنها ستكون أكثر طمأنينة – وليس شرطا أكثر أمنا – وهي بجواره .
وكما ذكرت هذه أشياء نفسية ، أى أن الشخص الذي تشعر الفتاة حياله أنه قادر على العناية بها وتفهم آرائها واحترام مشاعرها ، والتفاني من أجل سعادتها ، بغض النظر عن سنه وظروفه يمكنها اختياره .
وأن الفتاة التي يشعر الشاب حيالها أنه قادر على العناية بها ، والتفاني من أجلها ، وأنه يحترمها أصلا ، ويتفهم أفكارها ، ويؤيد شعورها ، فإنه لا يجوز أن يتخلى عنها علميا .
ثانيا : أشياء يحتاجها الرجل من المرأة :
1- الثقة :
يحتاج الرجل إلى أن تثق المرأة في أنه يستطيع أن يحقق لها كل ما سبق .
2- القبول :
أي رجل به عيوب – فلسنا ملائكة – وتلك العيوب ، يجب أن تعلمها المرأة وتسأل نفسها هل تستطيع أن تعيش معها ، أم لا ، أو بعبارة أدق هل مزايا ذلك الرجل كافية للتغطية على عيوبه وعدم إظهارها أم لا ، وبذلك يحدث القبول .
3- التقدير :
الرجل يريد من تقدره ، وتقدر كل عمل يقوم به ، وذلك ينبع من تفهمها لأهمية الأعمال التي يقوم بها ، فمثلا لو كان الرجل شاعرا ، وهى لا تفهم أي كلمة في الشعر ، فلن تقدر عمله المتفاني في إنتاج القصائد مثلا .
4- الإعجاب :
بالتأكيد يريد الرجل أن تعجب به المرأة ، لأن مرحلة الإعجاب عندي قبل مرحلة الحب – كما سيأتي - فإذا تخلت عنها ، فُقِد الحب وهوى .
5- الموافقة :
وتأتي تلك الموافقة على القرارات النافذة ، فما دام القرار نفذ ولن تجدي مناقشات النساء التراجع عنه ، فإن الرجال يفضلون أن يوافقوهم بألسنتهن ، ولا يحبون أبدا سماع صوت بكائهن على اللبن المسكوب .
6- التشجيع :
التشجيع من المرأة هو الوقود الذي يصنع من الرجال المعجزات ، من أول المستوى الفردي ( الزوج ) ، إلى أكبر مستوى جماعي في عالم الرجال ( الجيش ) .
المزيد