الفصل الثاني
كتبهاأحمد أبو خليل ، في 19 سبتمبر 2007 الساعة: 06:39 ص
مناقشة المشكلة
_________________________________________
يهدف هذا الفصل إلى إبراء ذمم كل من ( الدين والعلم والتجارب) ، من تهمة التأصيل لمبدأ حتمية وجود فارق سني بين الزوج والزوجة ولو حتى من منطلق الأفضل والأحسن ، ويتم سوق الأدلة في كل مجال من مصادره الأصلية ، فأدلة الدين من الكتاب والسنة ، وأدلة العلم من علمي الاجتماع والنفس ، وأدلة التجارب من التاريخ البشري بعيده وقريبه
_________________________________________ .
نحن هنا نتعرض لمسألة شديدة التجذر في الوعى الجمعي ، ولذا فإننا سنواجهة بأربعة أسلحة ، هي – قطعا – مجتمعة أقوى من أى صنم اجتماعي يبذل له المجتمع قرابينه ، ولكن منعا لالتباس الفهم فإننا نقرر أننا لا نبني قاعدة تقول بحتمية المساواة السنية بين الزوجين ، ولكننا ننتهك قدسية قاعدة تقول بحتمية عدم المساواة ، وذلك لمصالح اجتماعية هي بالتأكيد أهم منها .
أولا : الديــــــــن
قبل أن نبدأ الموضوع يجب أن نسلم بثلاثة أمور :
1- أن الشارع الحكيم لم يترك لنا خيرا إلا أمرنا به ، ولم يترك لنا شرا إلا نهانا عنه، على النحو الآتي : إن كان هذا الخير خير مطلق أوجب أو فرض الالتزام به ، وإن كان هذا الخير خير نسبي أي لا يترتب على تركه أذى للإنسان ، فيقوم الشارع بندبه فقط ، وإن كان ذاك الشر شر مطلق ، فإن الشرع لا يتردد في تحريمه ، لأن مرتكبه لن يجلب له ولمجتمعه إلا الأذى المحض ، أما إن كان الشر شر نسبي فإنه يكرِّهه فقط .
2- أن الحياة الاجتماعية - خاصة - لم يترك لنا الله سبحانه وتعالى لنا أي تدخل في أصول بنائها ، لأنه وحده هو صانع عالم الإنسان ، وهو الأعلم بخبايا نفسه " وَلَقدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أًقْرَبُ إِلِيهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ " ، فالأحكام التي نزلت لتنظيم الحياة الاجتماعية أكثر وأدق بكثير من الأحكام التي نزلت لتنظيم الحيوات الأخرى ، كالحياة المدنية، أو السياسية، أو الاقتصادية ، والدليل العملي أن البلاد العربية استطاعت أن تستبدل بالأحكام الفقهية القوانين الوضعية في كافة مجالات الحياة ما عدا ما يطلق عليه الآن ، قانون الأحوال الشخصية ، لأن مادته الإٍسلامية كبيرة جدا وتستعصي على المخططات الغربية لهدمها ، أو استبدالها .
3- أن الكلام في هذا الأمر من باب " فذكر " أولا ، ثم من باب " وإن تنازعتم في شيء " ثانيا ، وإلا فكل الأحكام المذكورة في المجال متعارف عليها .
إذا الزواج ، كواحد من أهم الظواهر الاجتماعية يأخذ الأحكام الفقهية الخمسة :
أولا : فرض :
لم يوجب الله سبحانه وتعالى على أي مسلم أن يتزوج نوع ما من النساء ، فضلا عن أن يتزوج في سن معين أو من سن معين ( بعد البلوغ طبعا ) ، وكل أمر جاء في القرآن عن الزواج جاء على سبيل الندبة والاستحباب ، لا على سبيل الإلزام ، والفرض أما الأحاديث فينطبق عليها ما ذكرناه ، إلا ما زاد على ذلك من توبيخ الرسول وزجره الشديدين لمن يستطيع الزواج ، ويقدر عليه ، ولا يتزوج .
ثانيا : واجب أو مستحب :
لم يرتبط الأمر في القرآن والسنة – والذي يفهم منه الاستحباب – بالزواج من سن معين حيث جاء الأمر بالزواج موجه إلى ثلاثة جهات :
1- الرجل الذي يريد الزواج :
أ - من القرآن :
* " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " فهنا ربط الله مسألة الزواج بالقلب وحده ، لأن الطيب لا يأتي إلا من النفس فنقول طابت نفسه ولا نقول طاب عقله.
* "فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن" ، هنا ربط الأمر بإذن الأهل ، و الآية لم تقل " برضا أهلهن " ، وإنما قالت بإذنهم ، وقد يأذن الإنسان بشيء غير راض عنه قلبيا.
إذا النتيجة التي يمكن أن نستخلصها من آيات الخطاب القرآني للرجال بالزواج أنها لم ترتبط بسن ، وإنما ارتبطت بأمرين ، أن ترتاح النفس للمرأة ، وأن يأذن أهلها ، إذن لم يشترط الله فيه أن يتعدى ألسنتهم إلى قلوبهم .
ب - من السنة :
* حديث تنكح المرأة لأربع ، حيث جاء الأمر في نهاية الحديث " اظفر " مرتبط بدين المرأة فقط .
* حديث تزوجوا الودود الولود ، حيث جعل الأمر في بداية الحديث " تزوجوا " مرتبط بصفتين أحدهما خُلقية ( سيكولوجية ) وهي : الودود من النساء ، والأخرى خِلقية ( فسيولوجية ) وهي كثرة الإنجاب ، وهنا إفادة أخرى : أن السنة لم تهمل هذا النوع من الصفات الفسيولوجية – والسن صفة منها - إهمالا تاما وإنما ركزت على المفيد منها ، وأهملت ما هو غير ذلك .
* حديث "تخيروا لنطفكم , وانكحوا الأكفاء , وأنكحوا إليهم " ، حيث ربط الأمر هنا بالكفاءة والتي يقال فيها كلام كثير، من أول أن كل مسلم كفء لأي مسلمة ، إلى من طالبوا بالكفاءة في كل شيء .
2- أهل الزوجين :
أ – من القرآن :
" وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم " هنا جاء الأمر للأهل ، وربط الأمر هذه المرة بالصلاح فقط ، سواء كان تفسير هذا الصلاح التقوى ، أو أن يكونوا صالحين للزواج نفسه ، إذا لم يطلب الشارع من أهل الفتاه أن يزوجوها إلى رجل له سن معين أيضا.
ب – من السنة :
* حديث إذا جائكم من ترضون … ، حيث جاء الأمر في الحديث " زوجوه " مرتبط بالدين والخلق فقط ، وأكد الأمر بالتحذير من عواقب عدم الامتثال لهذا الأمر " فتنة في الأرض ، وفساد كبير " وقد حصل .
3- المرأة التي تريد الزواج :
لم يرد في القرآن أو السنة أي أمر موجه للمرأة لتزويج نفسها
ثالثا : مكروه :
ورد في نصوص القرآن والسنة بعض النهي عن أنواع معينة من الزواج على سبيل الكراهة – وليس منها بالطبع أن يكون الزوجان من سن واحد - ومنها :
1- نكاح الزانية ، فالنهي عن نكاح الزانية من المسلم ، و نكاح الزاني من المسلمة جاء على سبيل الكراهة الشديدة.
2- "إياكم و خضراء الدمن ، قالوا : وما خضراء الدمن ؟ قال : المرأة الحسناء في المنبت السوء" ، فهذا نهى من رسول الله على سبيل الكراهة ، وإن كان الحديث فيه ضعف ، ولم يجزه بعض العلماء .
3- زواج الكتابيات ، فعلى الرغم من أنه حلال شرعا ، إلا أن فهم عمر بن الخطاب لحال الأمة زمانه جعله يرغم صحابي على تطليق زوجته الكتابية حتى لا تفتن المسلمات في دينهن ، وقد أمرنا أن نقتفي سنن الخلفاء الراشدين المهديين من بعد النبي ( صلى الله عليه وسلم) .
وكنت أظن أن زواج الأقارب من المنهي عنه في الإسلام كراهة ، ولكنني بعد البحث الطويل وجدت أن كل الأحاديث التي وردت فيه ضعيفة ، وأن الكلام في هذا الموضوع يعتمد على مرجعية العلم .
رابعا : حرام :
وهذا الباب لأهميته ، وترتب مخاطر جمة عليه ، أفرد له القرآن مساحة واسعة ، وقد جمعت الآية " حرمت عليكم أمهاتكم …" معظم هذه المحرمات ، إلى جانب تحريم المشركات .
خامسا : مباح :
وهو المسكوت عنه ، لا أمر الله به ( وجوبا أو استحبابا ) فنأتيه ، ولا نهى عنه ( تحريما أو كراهية ) فنجتنبه ، وإنما سكت عنه فلا نسأل عنه ، ومعنى ألا نسأل عنه أي لا نحتكم إلى الدين في موضوعه ، وإنما قد نحتكم إلى مرجعيات أخرى كما سنرى…
ثانيا : العلـــــــم
نوقش هذا الموضوع في علمين الأول علم النفس ، والثاني علم الاجتماع ، وقد أخذ علم النفس بالشق ( الفسيولوجي ) ، بينما أدرجنا الشق ( السيكولوجي ) في علم الاجتماع على النحو التالي :
1- علم النفس :
الكلام في هذا الموضوع طويل جدا ، ومعقد جدا ، خلاصته أن علم النفس بمساعدة مجالات التنمية البشرية توصل إلى احتياج الرجل والمرأة لست حاجيات ( نفسية ) لكي تنجح العلاقة الزوجية بينهما ، متى توافرت هذه الست حاجيا في الرجل بالنسبة للمرأة وفي المرأة بالنسبة للرجل ، استقامت حياتهما مع أي سن ، وتحت أي ظرف ، وقد يرى القارئ أن هذه الحاجيات بها شيء من التعميم ، والهلامية ، وذلك لأنها مجرد رؤوس أقلام ، ولو وضعت بجانبها فقط التطبيق العملي لكل قاعدة ، والأمثلة عليها ، لاستحال الأمر .
أولا : أشياء تحتاج المرأة إليها من الرجل :
1- العناية :
تحتاج المرأة إلى أن ترى زوجها شديد الحرص عليها ، وعلى العناية بها ، وليس فقط بأن يعتبرها جزء يكمل به حياته الشخصية الأثيرة التي يعمل من أجلها فقط .
2- التفهم :
تحتاج المرأة إلى من يفهمها ، ويقدر فكرها ، حتى وإن عارضه في قليل أو كثير المهم ، أن يستطيع تفهم ما يصدر عنها من مواقف وأفكار ، وذلك بمعرفة الخلفيات التي تصدر منها هذه المواقف .
3- الاحترام :
تحتاج أيضا إلى الاحترام ، وذلك بأن يحرص الرجل على شعورها ، وآرائها، وليس معنى ذلك أن يوافقهما على طول الطريق ، والأهم من ذلك احترام ما تقوم به من جهد وتقديره لهذا الجهد
4- التفاني :
تحتاج المرأة إلى الشعور بأن زوجها يتفانى من أجل رضاها ، والحرص على سعادتك.
5- التأييد :
تحتاج أيضا إلى من يؤيد شعورها ، وليست أفكارها ، لأن المشاعر لا يمكن أن تناقش خاصة من قبل الرجال .
6- الطمأنة :
تحتاج إلى من يشعرها دائما أنها ستكون أكثر طمأنينة – وليس شرطا أكثر أمنا – وهي بجواره .
وكما ذكرت هذه أشياء نفسية ، أى أن الشخص الذي تشعر الفتاة حياله أنه قادر على العناية بها وتفهم آرائها واحترام مشاعرها ، والتفاني من أجل سعادتها ، بغض النظر عن سنه وظروفه يمكنها اختياره .
وأن الفتاة التي يشعر الشاب حيالها أنه قادر على العناية بها ، والتفاني من أجلها ، وأنه يحترمها أصلا ، ويتفهم أفكارها ، ويؤيد شعورها ، فإنه لا يجوز أن يتخلى عنها علميا .
ثانيا : أشياء يحتاجها الرجل من المرأة :
1- الثقة :
يحتاج الرجل إلى أن تثق المرأة في أنه يستطيع أن يحقق لها كل ما سبق .
2- القبول :
أي رجل به عيوب – فلسنا ملائكة – وتلك العيوب ، يجب أن تعلمها المرأة وتسأل نفسها هل تستطيع أن تعيش معها ، أم لا ، أو بعبارة أدق هل مزايا ذلك الرجل كافية للتغطية على عيوبه وعدم إظهارها أم لا ، وبذلك يحدث القبول .
3- التقدير :
الرجل يريد من تقدره ، وتقدر كل عمل يقوم به ، وذلك ينبع من تفهمها لأهمية الأعمال التي يقوم بها ، فمثلا لو كان الرجل شاعرا ، وهى لا تفهم أي كلمة في الشعر ، فلن تقدر عمله المتفاني في إنتاج القصائد مثلا .
4- الإعجاب :
بالتأكيد يريد الرجل أن تعجب به المرأة ، لأن مرحلة الإعجاب عندي قبل مرحلة الحب – كما سيأتي - فإذا تخلت عنها ، فُقِد الحب وهوى .
5- الموافقة :
وتأتي تلك الموافقة على القرارات النافذة ، فما دام القرار نفذ ولن تجدي مناقشات النساء التراجع عنه ، فإن الرجال يفضلون أن يوافقوهم بألسنتهن ، ولا يحبون أبدا سماع صوت بكائهن على اللبن المسكوب .
6- التشجيع :
التشجيع من المرأة هو الوقود الذي يصنع من الرجال المعجزات ، من أول المستوى الفردي ( الزوج ) ، إلى أكبر مستوى جماعي في عالم الرجال ( الجيش ) .
إذاً ، إذا شعرت الفتاة أنها متقبلة لشخص ما – على علاته – وأنها تثق به وتقدره ، ومعجبة به أصلا ، وتعمل على تشجيعه دائما ، فلتعلم أنه سيختارها لا محالة شريكة له في المستقبل .
وكذا إذا شعر الشاب أن هناك فتاة يمكنها عمل كل ذلك من أجله ، فلا يجوز أيضا أن يتخلى عنها علميا ، مهما كانت ظروفها ، وسنها بالنسبة له.
2- علم الجتماع :
الذين يتعللون بوجوب سبق الرجل لسن المرأة بأكثر من سنة ، يرجعون ذلك إلى تفوق المرأة في الذكاء عن الرجل ، وأن هذه طبيعة بشرية أن تتفوق النساء على زملائهن الرجال في القدرات العقلية ، لكن العلم الحديث لم يعد ينظر إلى الذكاء ككتلة واحدة ، وإنما توصلت آخر الدراسات إلى أنه هنالك أكثر من سبعة أنواع من الذكاء أعرضهم عرضا سريعا فيما يلي ، بعد التعريف بمصطلح الذكاء :
أولا : تعريف الذكاء :
يعرف علماء النفس وعلماء التربية "الذكاء"، بأنه القدرة على مواجهة الصعاب, ومهارة التكيف مع الظروف الطارئة، ومن ثم حل المشاكل التي تعترض طريق الفرد ، أي أن ذكاء الإنسان الحقيقي – حسب هذا التعريف - يوضع على المحك في زمن الأزمات، أكثر منه في زمن الدعة والراحة.
وعرّف الذكاء أيضا بأنه مجموعة من القدرات المستقلة الواحدة عن الأخرى, التي يمتلكها الأشخاص، في مجالات كثيرة.
وقد أثبت تاريخ علم الاجتماع بما لا يدع للشك مجال أن الذكاء غير مرتبط بسن معين ، مع اعترافهم بأهمية تفوق الرجل زوجا في الذكاء على المرأة ، وأهمية أن يشعر كلاهما بذلك الفرق .
ثانيا : أنواع الذكاء :
1- الذكاء اللغوي :
وهو القدرة على التعبير اللغوي واستعمال الكلمات ، وهي قدرة يملكها أفراد أكثر من غيرهم. والخطباء المفوّهون، ورؤساء القوم، يملكون هذا النوع من الذكاء ويطورونه بالمران. وربما استغلوه في الوصول إلى عقول الناس.
2- الذكاء المنطقي الرياضي :
وهو ذكاء العلماء المعمليين ، والعباقرة الفيزيائيين ، ويقل استخدامه اجتماعيا .
3- الذكاء الفراغي ( الفضائي ) :
وهو قدرة العقل على تخيل الأشياء غير المتواجدة في الحقيقة ، والسعي لتنفيذها ، كمن يتخيل تصورات التطوير ، ومن يعمل عموما في مجال الاستشارات التنموية ، إلى تصميمات اللوحات ، والإعلانات ، وخروج الفكرة واقعيا كما رسمها في عقله بالضبط .
4- الذكاء الجسدي ( الحركي ) :
وهو القدرة على التحكم بنشاط الجسم وحركاته بشكل بديع ، وهي مهارة لا شك يمتلكها الرياضيون ، وغيرهم من المتأنقين بأجسامهم والمعتزين بها.
5- الذكاء الإيقاعي ( الموسيقي ) :
بعض الناس موسيقيون أكثر من غيرهم ، وحب الموسيقى – وإن كانت بدون آلات - والإحساس بالإيقاع والتفاعل معه, تظهر عند هؤلاء "الموسيقيين", سواء تعلموا الموسيقى أم لا.
6- الذكاء الروحي أو الخارجي :
وهو أن يعي الإنسان نفسه والعالم الذي يعيش فيه، ويدرك العلاقات التي تربط الأمور والظواهر المحيطة به، مهما بدت بعيدة أو منفصلة الواحدة عن الأخرى. ووعي المرء لنفسه يعني أن يتعمق في نوعية مشاعره ، وماهية وجوده. وهو وعي يقود عاجلا أو آجلا ، إلى الاعتزاز بالنفس وتقديرها ، وإلى قوة الشخصية الذي يميز الأنبياء ثم المفكرين والمصلحين الاجتماعيين.
7- الذكاء الاجتماعي :
حيث يكون من أنعم الله عليهم بهذا النوع ، قادرين على مجاراة جميع الأصناف من الناس، وتحقيق النجومية الاجتماعية ، بما يتمتعون به من ذكاء اجتماعي يمكنهم من كسب ثقة الآخرين وتعاونهم ، فالذكاء في العلاقات المتبادلة بين الناس هو القدرة على فهم الآخرين، وما الذي يحركهم ، وكيف يمارسون عملهم ، وكيف نتعاون معهم".
أما فيما يتعلق بذكاء الشخصية الاجتماعية وتميزها، فقد حدد أربع مواصفات: هي القيادة، والمقدرة على تنمية العلاقات، والمحافظة على الأصدقاء، والقدرة على حل الصراعات، والمهارة في التحليل الاجتماعي .
والذكاء الاجتماعي هو بيت القصيد الأول – وليس الوحيد – في موضوع السن * .
غير أن هنالك أنواع أخرى من الذكاء ، آخر ما اكتشف منها الذكاء العاطفي وهو "أن تكون قادرا على حث نفسك باستمرار على مواجهة الإحباطات والتحكم في النزوات ، وتأجيل الإحساس بإشباع النفس وإرضائها ، والقدرة على تنظيم حالتك النفسية ، ومنع الأسى أو الألم من شل قدرتك على التفكير تماما ، وأن تكون قادرا على التعاطف والشعور بالأمل ".
إذا علم الاجتماع يكشف لك عن أنواع متعددة من الذكاء يمكن أن تقيسها أي امرأة وأي ولي أمر على ابن الثلاثين ، وعلى ابن العشرين في نفس الوقت ، لتعلم كيف اختارت خديجة محمدا زوجا ، وليعلم كيف اختار محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أسامةَ قائدا ( مثلا )
إذا كان هذا رأى العلم في المسألة ، رأى طويل ومعقد يحتاج إلى الدقة ، وإعادة النظر ، وكل ما كتبته في هذا الفصل مقتبس من كتب ومقالات ومحاضرات وأساتذة في علمي النفس والاجتماع
ثالثا : التجــارب
معظم الناس يُأتَون من هذا الجانب ، ويعولون عليه التعويل الأكبر ، ولكنهم يقعون في خطأين منهجيين منذ البداية :
الأول :
حصرهم للتجارب في أضيق دائرتيه ، الدائرة المكانية التي لا تتعدى البلد الواحدة ، والدائرة الزمانية التي لا تتعدى فترة حياته ، على الرغم من أن ميدان التجارب الإنسانية هى كافة أنحاء المعمورة ، ومضمارها هو عمر الإنسان نفسه عليها .
الثاني :
أنه إن كانت هناك عشر حالات للزواج من سن واحد في المجتمع ، في مقابل تسعين حالة للزواج مع الفارق السني ، وفشلت أربع حالات مثلا من الفئة الأولى ، وأربعين حالة من الفئة الثانية ، فإن شماعة اللوم على فشل الحالات الأربع تتجه إلى سبب واحد وهو التماثل السني ، بينما قد تذهب تفسيرات الفشل في الأربعين حالة إلى أسبابها الطبيعية .
وقبل أن أبدأ في استقراء التجارب ، أحب أن أوضح أمرين آخرين :
أولا : قدسية هذه المرجعية كمنهج رباني قرآني ، أرست قواعده ، عشرات الآيات التي تأمر الإنسان بالسير في الأرض ، والنظر في أحوال الأمم السابقة ، والأفراد الهالكة ، لأخذ العظة والعبرة ، هذا على المستوى النظري ، أما على المستوى العملي ، فما قصص القرآن إلا تطبيقا عمليا لهذا المنهج الرباني ، ولذا سنبدأ من حيث بدأت .
ثانيا : أنه كما لا يعد ما دون العقد في عمر الأمم والشعوب شيئا ، فإنه لا يعد ما دون السنة في عمر الأفراد شيئا ، أى إذا كانت الفروق العمرية ما بين الرجل والمرأة أقل من سنة فذلك يعد تساويا في السن بغض النظر عمن يحسب له أو عليه فرق هذه الأشهر .
أول زواج في بني البشر :
خلق الله آدم ، علمه الأسماء ،وأسجد له ملائكته ، وما إن أسكن الله آدم الجنة حتى شعر بالوحدة ، فخلق له حواء زوجة له ، إذا الفترة ما بين خلق آدم وحواء قطعا ليست بالسنين ، وإنما بالأيام ، يدل على ذلك سياق آيات الخلق في سورة البقرة ، فآية الخلق تأتي موجة لآدم ، ثم آية السجود أيضا ، وبعد إباء إبليس مباشرة ، تأتي آية الأمر بدخول الجنة لآدم وحواء معا ، إذا لو كانت الفطرة تقتضي وجود فارق سني كبير لراعى الله ذلك في خلقه ، تبارك الله أحسن الخالقين.
الزواج الثاني ، والثالث في بني البشر :
عندما أُهبِط آدم وحواء إلى الأرض رزقهما الله بتوأمٍ ذكرا وأنثى ، ثم توأم آخر ذكرا وأنثى ، وقضت حكمته في ذلك الوقت أن يتزوج كل أخ بأخته غير التوأم ، بمعنى أنه سيكون هناك من يتزوج أخته الأكبر منه سنا ، متساويا مع أخيه الذي سيتزوج من هى أقل منه سنا ، وأعتقد أن هذه دلالة كافية ، على أن موضوع السن لم يكن داخلا في المعادلة الربانية ، ولو كان كذلك لقضت حكمة الله أن تلد أمنا حواء توأما ذكرين ، ثم بعدها بسنتين ، أو ثلاث ، تلد توأما أنثيين !
قصة الزواج الوحيدة في القرآن :
أتابع كل كتب التاريخ ، والأديان ، فلا أجد قصة للزواج - بعد أن فشل زواج قابيل وهابيل- إلا ما قصه الله علينا من قصة موسى عليه السلام ، والتي لم يظهر فيها من صفات المعروض عليه الزواج إلا ثلاث صفات ، القوة ، والأمانة ، والقدرة على العمل ، نعم القدرة على العمل فسيدنا موسى ، كان يعد عاطلا في عصرنا هذا ، ولا يصلح للزواج ، لكن التربية القرآنية أرشدت أولياء الأمور من خلال نبي الله شعيب أن إذا جاءكم قوي أمين ، وليست معه حتى وظيفة فلكم في شعيب أسوة .
خير زواج في الإسلام :
" خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهله " ، يعد زواج النبي (صلى الله عليه وسلم ) ، خير زواج في الإسلام ، بهذا الحديث ، ورغم ذلك لن نجد النبي يصل بأقصى درجات هذا الهناء إلا مع زوجين إحداهما أكبر من بأكثر من15 سنة ، والأخرى أصغر منه بأكثر من 30 سنة ، في رسالة قوية إلى أن أعظم حبين في حياة أعظم نبي ، حطم كل قواعد الفوارق العمرية .
زواج شعوب العالم :
الإحصائيات تذكر أن موضوع السن لا يراعى بهذا التشدد ، والحرص ، إلا في منطقة الشرق الأوسط ، ومعظم إفريقيا ، أما باقي شعوب العالم ، فإنها لا تولي هذه المسألة أي اهتمام ، على الرغم من تطور علومهم النفسية والاجتماعية ، والتي لو كانوا اكتشفوا من خلالها خطر هذا الموضوع ، وأهمية مراعاته ، لكانوا نبهوا عليه نظريا بمئات الدراسات والإحصاءات ، وعمليا بالحملات والبرامج .
وبعد ، فإن القول الفصل في هذا الموضوع ، أن المتقاربين في السن لا تنشأ الخلافات بينهما ، لهذه العلة ، ولا تكون حتى عاملا مساعدا وحدها ، وإنما تنشأ من الأسباب الطبيعية لها ، ويبدأ الناس بتبرير هذا السلوك على السن ، وقد شهدت تجارب بني آدام في الأمم السابقة ، وفي الأمم الحالية غير أمتنا ، مما يعني أنها تعد في أمتنا من قبيل العرف .
شهادات مجربين من نفس الحقل :
قد لا يكون لكل الحديث عن التجارب في هذه النقطة أية قيمة إن لم نجد له تطبيق على أرض الواقع ، ومن أجل ذلك حرصت على وضع ثلاث شهادات لثلاثة مجربين ، من نفس الحقل الديني والعلمي والثقافي .
1- أ.د / محمد جمال صقر :
وهو من أنشط أساتذة قسم النحو والصرف والعروض في كلية دار العلوم ، وهو من أنجح الأساتذة في الكلية على المستويين العلمي والمادي ، ومتزوج وله خمسة من البنين والبنات ، وعندما استطلعت رأيه في المسألة ، أباح لي بأنه متزوج من زميلته في الكلية ، وأنه تأخر في خطبتها إلا أن عين معيدا في الكلية ، ولو أنه حصل على عمل قبل ذلك لكانت الخطوة الأولى ملازمة له .
هذا عن تجربته ، أما عن شهادته فيقول : " الأصل أن السن يؤخذ بعين الاعتبار ، لكن إن وجدت شيئا مبهرا ، أو صفات خاصة ، في من هي زميلتك ، فذلك مما لا يُتخلى عنه بأي سبيل ، وهذا مافعلته ، وما ينبغي أن تفعله " .
2- أ / أسامة الهتيمي :
وهو خريج دار العلوم دفعة 2000 صحفي وأمين شباب حزب العمل الإسلامي سابقا ، وتجربته تبدأ أيضا مع زميلته في الكلية ، حيث قرر والديهما بعد أن أخذا قرارا ببداية حياتهما مبكرا ، أن يتخليا تماما عن مساعدتهما ماديا ، مما جعلهما يصران أكثر على نجاح التجربة ، وكانت المفاجئة أن استطاعا أن يكونا بيتهما في غضون سنتين بعد التخرج بمفردهما ، ومعهم الآن ثلاثة من الأولاد ، وأصبحا مضرب المثل في أوساطهما .
وشهادة أسامة في هذا الصدد عجيبة حيث يقول : " لن تر أسرة مترابطة ومتماسكة أكثر من الأسرة التي يرى المجتمع أن عامل السن سيأتي عليها يوما من الأيام ويهدمها ، لأن الزوجين في هذه الحالة يكونان على أشد الحرص ألا يخرجا أي مشكلة خارج بيتهما ، وأنا والحمد لله على مدار سبع سنوات لم أشتك من زوجتي ، ولم تشكني زوجتي إلى شخص قط " .
وقبل أن أترك الهتيمي أحب أن أذكر في تجربته أن زميلا له في نفس الدفعة ، أصبح دكتور في الكلية الآن ، ورغم ذلك ما زال يبحث عن عروسة ، وما زال يبحث عن شقة ، ويساعده أسامة في ذلك .
3- أ / حسين قرني :
أما الأستاذ حسين فهو أكثر النماذج إثارة لأنه استطاع أن يطبق النظام الغربي بمهارة شديدة ، فبعد حصوله على الثاناوية قرر أن يعمل بدون انتظار لأربع سنوات دراسة بلا عمل في الكلية ، واستطاع أن يكون نفسه ويتزوج ، ويعمل مدرسا للغة العرية ، كل هذا بدون شهادة ، وبعد أن قطع هذا الشوط من حياته قرر أن يكمل دراسته في دار علوم ، وقد أنهى دراسته فعلا بتقدير مرتفع العام قبل الماضي .
وشهادته تتعلق بشعوره كمتزوج وهو يتعامل مع المجتمع الجامعي ، حيث يقول حسين : " الزواج المبكر راحة .. استقرار .. استقرار " ، ولعل هذه الكلمات تفسر حجم الطاقة التي بداخله ، والتي خولته أن يدرس ، ويتفوق ، وهو متزوج ، ويعول ويباشر عمله ، بل وتخلل سنوات الدراسة أيضا ، سنة التجنيد !
4- ثلاثة من أصدقائي :
قبل أن أختم هذا الفص أحب أن أذكر أن ثلاثة من زملائي ( دار علوم / صيدلة / طب أسنان ) قد خطبوا منذ عدة أشهر أي في السنة الدراسية الثالثة اثنان منهم تكبر عمر مخطوباته عنهم ، أحداهما بسنة ، والأخرى بثلاثة أشهر .
وشهادتهم تكمن في أنهم ما زالو ناجحين على مستوى الدراسة ، وعلى مستوى العمل ، وأيضا على المستوى الدعوي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البحث الأول | السمات:البحث الأول
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






















