الفصل الثالث
كتبهاأحمد أبو خليل ، في 19 سبتمبر 2007 الساعة: 06:32 ص
العرف بين الصلاح والاصطلاح
_______________________________
يهدف هذا الفصل إلى تسليط الضوء على تعامل العرف مع هذه المسألة وشبيهاتها ، في محاولة لفهم كيف يتأثر المجتمع أو يؤثر في هذا العرف ، عارضا رأي الدين تجاه العرف ، ثم كيفية تطبق نظرية " ما يصلح عليه الناس ، وما يصطلح عليه الناس " في هذه المسألة بالذات .
____________________________________________
على الرغم من أن العرف يعد العامل الرابع من عوامل مبررات المجتمع للقضية المطروحة بعد ( الدين والعلم والتجارب ) ، إلا أننا آثرنا أن نفرد له فصلا مستقلا ، لما له من أهمية واعتبار .
أولا : العرف دينيا :
خشيت أن أجمع مسألة علاقة العرف بالسن بنفسي ، حتى لا أجير عليها ، فقررت أن أنقل رسالة بعثها لي ، الدكتور / محمد أحمد حسن ( كلية دار علوم / قسم الشريعة ) ردا على هذا الموضوع وهاكم نصها :
"وأذكر في البداية المفهوم العام للعرف شرعا ، فهو ما لم يصادم نصا ، بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، فيجب حينئذ تقديم النص عليه ، أما إذا أمكن إدخاله في مظلة النص ، وتحت عباءته فلا حرج ، بل ربما يصير واجب الاتباع ، تبعا لقاعدة المعروف عرفا كالمشروط شرطا .
أما عن علاقة العرف بالسن ، فنجد أن العرف يختلف من بيئة إلى أخرى ، ومن عصر دون عصر، في تحديد فرق العمر بين الزوجين ، ذلك أن الشارع سبحانه لم يحدد في ذلك مقدارا محددا ، وإنما ترك الأمر حسب ما تعارف عليه كل مجتمع .
وقد تعارف مجتمعنا أن يكون الزوج في نفس عمر ، الزوجة أو يزيد عليها ، ولكن لا يستحب أن يزيد عليها بما يزيد عن خمس عشرة سنة حتى لا يدخل في سن الشيخوخة وهي ما زالت بعيدة عنها ، هذا عن زواج الشباب أما زواج الأرامل وما شابه ، لذلك فالأليق أن يختار الزوج زوجة تناسب عمره ، حتى لا تضيع مكانته الأدبية وسط أبنائه وعشيرته ، وكل هذا دائر في فلك المباح " .
ثانيا : من يصنع العرف ؟ :
الإجابة على سؤال من يصنع العرف ؟ قد تكون إجابة واحدة ومباشرة وهي " المجتمع " ، ولكننا إذا دققنا فيها نجد أمرين :
1- أننا ( أي أنا وأنت وأنتِ ) جزء من هذا المجتمع أي من حقنا ، أن نساهم في صناعة هذا العرف ، بالتغيير أوالتبديل أو الإضافة ، إلا أن نعتبر أنفسنا غير أصحاب حق في هذا ، وأن القطرة التي تكون أول الغيث لا يمكن أن تهبط من غيمتنا المتواضعة ، على الرغم من طهارة مائها ، وفساد أمواه الآخرين !
2- أن باقي المجتمع لم يعد يصنع أي شيء لنفسه أصلا ، من أول الغذاء ، إلى الكساء ، إلى القوانين الحاكمة ، والنظم المهيمنة ، إلى الأفكار والمعتقدات ، كلها تأتي من خارج المجتمع سواء برغبته ، أو رغما عنه .
فإذا ادعينا أن العرف يكون في المجتمع لمقتضى مأكله ومشربه وطبيعة حياته الخاصة .. الخ ، ثم نعلم بعد ذلك أن كل هذه المصادر غير أصيله ، ودخيله عليه ، والأدهى من ذلك أن مصادرها غير مضمونة ، بل فاسدة على الأغلب ، نتيقن أن هذه الأحكام التي تصدر على المجتمع ليست بعرف ، أي أن مصطلح عرف لا يطلق عليها أصلا !
ورغم ذلك أعتقد أن ورقة " العرف " هي الورقة الأقوى في هذا المضمار، ولذا حرصت على أن أواجه هذه الورقة بورقة أقوى منها ، ويعترف بها الدين أكثر مما يعترف بالعرف ، وتلك الورقة هي " الحب "
الحب كعرف بديل :
لو نعلم أن الغرب استطاع أن يجعل من الحب ذلك الحس الإنساني السامي ، صناعة مارقة أفسدت الحب والمحبين على مدار سنوات من العمل الشاق ، وإنفاق المليارات على صناعة السينما والغناء ، لبكينا على حالنا يوم أن علمناه الحب الصحيح الذي استقاه من كتاب " الزهرة " ، أو من كتاب " طوق الحمامة " عندما كنا سادة الأمم في كل شيء ، حتى في الحب ، واحسرتاه ..
أعرض هذا الموضوع سريعا ، لأنها فكرة في خواطري ، ولم تتبلور بعد التبلور النهائي ، فهي فكرة لها مبرراتها ، ولكن لفساد معناها في أذهاننا _ بفعل المؤثرات الغربية – فإن صياغة نظرية جديدة معاصرة لها ليس بالأمر الهين .
أول ما نأخذ رأيه في هذا الموضوع ، هو رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، حيث عرضت عليه مسألة مشهورة و شبيهة بما نقابله اليوم ، فقال : " لم أر للمتحابين مثل الزواج " ، والحديث ذكر أطلق صفة " المتحابين " على رجل وامرأة غير متزوجين أصلا ، وهذا دليل – من وجهة نظري – على أن هناك حب قبيل الزواج كما أنه هناك حب بعد الزواج ، فمن ذا الذي يري بعد رسول الله أو يعدل على رؤيته .
ولكن لم يكتف رسول الله بإبداء رأيه ، ولكنه عندما رأى الصحابي مغيث ، وهو يسير خلف الصحابية بريرة ، في الطرقات يسكب عليها الدموع بعد أن طلقها وهو كاره ، ثم لم يطق بعدها ، لم ينهره لأنه يتعقب امرأة لا تحل له شرعا ، وإنما ذهب إلى بريرة وطلب منها أن ترجع إليها ، فقالت : أتمرني ، فقال لها النبي "إنما أنا شافع" ، يا سبحان الله ، يا له من شرف للعشاق أن يشفع لهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، في حبهم ، فهل تصل هذه الشفاعة إلى آذان أوليائنا ، وفي تعليق ابن حجر العسقلاني على الحديث يقول ، وفي ترك النكير عليه – نكير رسول الله على مغيث – بيان جواز قبول عذر من كان في مثل حالته ، ممن يُقنع منه ما لا يليق بمنصبه إذا وقع بغير اختياره "
وفي تعليق ابن القيم الجوزية على قصة نصر بن حجاج الذي نفاه عمر من المدينة لشدة جماله ، وحدث منه ما حدث بالبصرة يقول : " والمقصود أن الشفاعة للعشاق فيما يجوز من الوصال والتلاقي – الذي هو ما قبل الزواج الرسمي – سنة ماضية ، وسعي مشكور ".
هذا في زمن النبي فماذا عن خلفائه ماذا عن أبي بكر وعمر ، أبو بكر يجد جارية تبكي في خيمتها من فرط الوجد ، وتنشد أبياتا في حبيبها ، فدخل عليها ، كمن وجد جائعة بلا طعام ، أو عارية بلا كساء ، واستحلفها ، أن تخبره من حبيبها ، حتى يزوجها إياه ، وقد فعل ، هذا أبو بكر الرؤوف الرحيم ، فماذا عن عمر الجاف القيادي الذي يحسبها بالورقة والقلم ، ماذا عنه ، حينما يسأله رجل : يا أمير المؤمنين ، إني رأيت امرأة فعشقتها ، فيقول عمر : ذلك مما لا يُملك .
ولكن الموقف الأبلغ منه رضي الله عنه ، عندما تذكر شيئا من شعر الجاهليين ، ومن أشعار عفراء وعروة ، رجع برأسه إلى الوراء ، تنهد وقال : " لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بينهما " ، أن يتمنى أمير المؤمنين ذلك ، أكبر دليل أنه فرغ من الجمع بين الأحباء الأحياء ، حتى انتقل بأمانيه إلى الجمع بين الأحباء الذين ماتوا وولو ، أي فهم هذا ، وبأي وجه نقابل عمر يوم القيامة عندما يقول لنا ليتني عشت بينكم حتى ، أزوج فلانا من فلانة ، وفلانة من فلان .
ولكن ماذا عن التابعين ، ماذا عن سلف هذه الأمة ، سلف هذه الأمة كان ينشد من كان على رأسهم ( الحسن البصري ) قوله :
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فأنت وعير في الفلاة سواء
وليس نظريا فقط ، ولكن عمليا عندما يأتي رجل لعلم من أعلامهم ( يحي بن معاذ ) يقول له إن ابنك عشق فلانة ، فيرد عليه " الحمد لله الذي صيره إلى طبع الآدمي "
والمطلوب – مؤقتا – بعد هذا العرض التاريخي لقضية الحب ، أن تكون في الوعي الجمعي للقائمين على أمر الزواج في المجتمع ، عنصر غير أساسي ، ولكنه إذا توافر ، تذلل من أجله عقبات كثيرة ، ومنها السن طبعا ، لأنها قد تكون بهذا العرض أشد خطرا ، إذا قدمنا عدم الارتباط لعدم وجود فارق سني ، على الارتباط لوجود جانب من الحب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البحث الأول | السمات:البحث الأول
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























