الفراقد : الفصل الثانى
كتبهاأحمد أبو خليل ، في 1 أغسطس 2008 الساعة: 03:08 ص
النخبة وحركات التجديد الإسلامى
أولا : مرحلة اليقظة الإسلامية
مع بداية عهد الاستعمار الغربى للعالم الإسلامى إبان انفراط عقد الوحدة الإسلامية بسقوط الخلافة العثمانية عام 1924م ، بدأ التجديد فى العالم الإسلامى يأخذ شكلا انتقاليا من المجدد الفرد إلى الحركة التجديدية حيث ظهر ولى الله الدهلوى فى الهند ( 1702 – 1762 م ) ، ومحمد بن عبد الوهاب فى نجد ( 1703 – 1791 م ) ، والشوكانى فى اليمن ( 1758 – 1834 م ) ، والشهاب الألوسى فى العراق ( 1803 – 1854 م ) ، ومحمد بن على السنوسى فى المغرب ( 1787 – 1859 م ) ، والإمام شامل فى القوقاز ( 1797 – 1871 ) ، والأمير عبد القادر فى الجزائر ( 1807 – 1883 م ) ، وجمال الدين الأفغانى (1838 – 1897 م ) ، ومحمد عبده ( 1849 – 1905 م ) فى مصر ، ومحمد بن أحمد المهدى فى السودان ( 1843 – 1900 م ) ، وعمر المختار فى ليبيا ( 1862 – 1931 م ) ، ورشيد رضا فى الشام ( 1865 – 1935 م ) ، ، وعز الدين القسام فى فلسطين (1882- 1935 م ) ، وعبد الحميد بن باديس ( 1889 – 1940 م ) فى الجزائر، و بديع الزمان النورسى فى تركيا ( 1876 – 1960 م ) .
وتعد هذه الفترة من منتصف القرن الثامن عشر إلى أوائل القرن العشرين فترة متميزة فى عودة الفكر التجديدى إلى البناء النخبوى ، وقد اتسمت بعدة أمور :
1- أن التجديد توزع على أقطار مختلفة من العالم الإسلامى ، ولم يستقر فى القلب فقط بل توزع على الأطراف أيضا كما فى الهند ، أو بلاد القوقاز ، أو المغرب .
2- أن هؤلاء المجددين لم يتقيدوا أيضا بأوطانهم ، فمعظمهم رحل هنا وهناك كالأفغانى والجزائرى وابن باديس ، أو اتسع تأثير مدرسته الفكرية كالوهابية والنورسية ، أواتسعت حركته فى أكثر من قطر كالحركة السنوسية التى انطلقت من المغرب ، أو حارب على أكثر من جبهة كالإمام شامل .
3- أن هؤلاء المجددين وهذ الحركات ارتبطت ارتباطا وثيقا باستنفار الأمة لمواجهة العدو الاستعمارى الجديد ، وسواء أكان هذا الاستنفار باستنهاض الهمم ونشر الكتب والمقالات كما فعل الدهلوى ، ومدرسة الأفغانى ( محمد عبده ورشيد رضا ) ، وابن باديس ، أو كان هذا الدفاع بالجهاد مباشرة كما هو الحال مع المختار والقسام ، أو جمع بين هذا وذاك ، التنظير والفكر ، والجهاد والحرب كما فى فعل السنوسى والنورسى .
4- حاول البعض أن يحافظ على الخلافة العثمانية القائمة حيث رأى أنها – على علاتها – حافظة الإسلام ، ومتى انفرط عقدها تداعت الدول الغربية إلى البلاد الإسلامية وأخذتها الواحدة تلو الأخرى ، ومن الذين رأوا ذلك النورسى والأفغانى ( وقد قدم كل منهما مشروعا للخليفة لحفظ الوحدة الإسلامية كل على حدة ) ، والبعض الآخر حاول أن يتخلص من قبضة الرجل المريض ( لقب أطلقه الأوربيون على الدولة العثمانية فى أواخر عهدها ) ، وأن يقيم دولة تستند إلى الحكم الإسلامى ، ولا تستعين بأعداء الله كما تستعين الجيوش العثمانية فى ذلك الوقت ، وقد حاول ذلك الوهابيون فى الجزيرة العربية ، ولكنهم هزموا فى نهاية الأمر ، ونجح فى ذلك المهدى فى السودان ، والأمير عبد القادر فى الجزائر ، وممن جمع بين الأمرين - عدم محاربة الخلافة وإقامة دولة مستقلة - الإمام شامل فى بلاد القوقاز .
5- لم تخل هذه الفترة أيضا من تجديد علمى وفقهى وفكرى خالصا بعيدا عن ميادين الحرب والسياسة ، وكان لهذه الثغرة رجال من أمثال الإمام الشوكانى ( فى الفقه ) ، والشهاب الألوسى ( فى التفسير ) ، ومحمد عبده ( فى الفلسفة ) .
وكرؤية عامة عن هذه الفترة فإنها كانت مرحلة يقظة للعالم الإسلامى من رقدته التى أفاقت على مدافع نابليون فى القاهرة ، ومن بعدها ضياع معظم العالم الإسلامى ، ثم إلغاء الخلافة الإسلامية ، ليبدأ بعد ذلك عهد جديد هو عهد الصحوة الإسلامية على يد الإمام البنا .
ثانيا : مرحلة الصحوة الإسلامية
تمخضت مرحلة اليقظة الإسلامية عن عدد من حركات التحرر الوطنى التى أقضت مضاجع الاستعمار ، وأصبح خروجه من بلد إلى أخرى مسألة وقت ، ولكن هذا النصر لم يكن كاملا ، حيث خلف الاستعمار وراءه مصيبتين كل واحدة هى أكبر من أختها :
1- المصيبة الأولى هى أكبر حركة هدم فى تاريخ الأمة الإسلامية تدعى حركة التغريب ، عبر عروش وجيوش ، ومؤسسات وهيئات ، وصحف أقلام ، وعقول وجنود ، كل هذا جنده الاستعمار لخدمته ، وخدمة أهدافه لما أذن بالرحيل ، كل هذا صنعه على عينية ، ورباه على يده ، وأغدق عليه الأموال ، وفتح له الأبواب ، ومكن له فى الأرض ، كى يخلفه فى هذه المهمة الخطيرة التى عجز هو نفسه عنها ، وقد تجمع كل هؤلاء فى شكل نخب سياسية واجتماعية وثقافية وعلمية بل حتى دينية ، لا ترضى بغير دين الغرب دينا ، لا يرضى ساستها بغير القانون الفرنسى أو البريطانى ، ولا يرضى مثقفوها بغير مسرحيات شكسبير وروايات فيكتور هوجو ، ولا يستشهد أساتذتها إلا بآراء المستشرقين من جولدن سيهر إلى نولدكه ، ولو حتى فى التاريخ الإسلامى أو تفسير القرآن الكريم ، ولا يتبع أثريائها إلا موضة باريس ، ولا يقتنون إلا ساعات سويسرا !
ولكن أضيفت شريحة أخرى لهذه النخبة لم يكن لها وجود من قبل وأخذت تتسع على حساب الشرائح الأخرى يوما بعد يوم ، وهى أشر هذه الطبقات وأكثرها فسادا ، وأكثرها تأثيرا على المجتمع أيضا ، ألا وهى النخبة الفنية وسنفرد لها الحديث لاحقا .
2- أما الثانية فهى أعظم مصيبة رزء بها العالم الإسلامى بعد سقوط الخلافة العثمانية ، وهى زرع دولة اليهود كالسرطان فى العمود الفقرى للدول العربية والإسلامية ، وتوفير كل وسائل التمكين للكيان الجديد ، كى يباشر بنفسه حماية المصالح الغربية والأمريكية فى المنطقة ، ويكون فزاعة فى وجه كل من تسول له نفسه الخروج على الخطوط الحمراء التى خطها الاستعمار قبل أن يخرج من البلاد ، وعن كيفية حركة البناء اليهودى للدولة العبرية ، وارتباط ذلك بالحركة النخبوية العالمية حديث لاحق .
إذن فقد خلفت مرحلة اليقظة هما ثقيلا تحمل أعبائه رجال الصحوة الإسلامية ، الذين كان عليهم أولا أن يتصدوا لحركات التغريب فى أوطانهم ، قبل أن ينتبهوا لقضية فلسطين التى حال تقسيم سايكس بيكو دون سهولة إدراج قضية استئصال الدولة الصهيونية الوليدة على رأس أولوياتهم فى كل مكان بالدول الإسلامية ، اللهم إلا ما كان من دول الجوار ، كمصر وبلاد الشام .
مدرسة الإخوان المسلمين والصحوة :
كان لتأسيس الإمام حسن البنا ( 1906 – 1949 ) لحركة الإخوان المسلمين عام 1928 أكبر الأثر فى تحول محور التجديد فى العالم الإسلامى إلى عهد البناء الإسلامى الأول ، أى من الأشخاص والمجددين ، إلى الحركات والنخب ، فالإمام البنا لم يُعرف كشخص مجدد إلا بعد أن أسس جماعة الإخوان المسلمين ، التى حملت فكره ومنهجه عمليا ، قبل أن تـُنشر آراءه وأفكاره نظريا ، وفى مدة لا تتجاوز عقدين من الزمان ، كانت حركة الإخوان المسلمين ، وفكر الإمام البنا يغزوان العقول والقلوب ، وينتشران فى القرى والمدن ، ويقفزان على الحدود والسدود ، حتى أحدثت الجماعة أكبر صدى لها بعد اشتراكها فى حرب 48 فى فلسطين ، وقبل أن تصل ذلك التاريخ كانت قد أسست لها فرع فى سوريا على يد الداعية المجاهد مصطفى السباعى ( 1915 – 1964 م ) عام 42 ، وفى العراق تحت مسمى جمعية الإخوة الإسلامية ( 1944 ) ، الذى تطور بعد ذلك إلى الحزب الإسلامى العراقى ( 1960 ) ، وفى الأردن عام 46 ، حيث كانت أول مشاركة سياسية لهم فى عام 56 .
وبعد نكبة 48 واستشهاد الإمام البنا فى العام التالى مباشرة ( 1949 ) انتشرت حركة الإخوان فى الكثير من البلاد العربية و الإسلامية ، ولكن أغلب البلاد التى وصلت إليها لم تكن تابعة تبعية كاملة للجماعة ، بل نستطيع أن نقول أن الجماعة أحدثت صحوة نخبوية فكرية حركية ، كشعلة من النار ، يتلقفها رجل فى كل بلد ويقيم عليها حركة أو حزبا أو جماعة تدور فى فلك هذه الفكرة دون أن تتحد بها ، ويمكننا القول أن الكثير من هؤلاء الأشخاص ، وكثير من هذه الحركات تعتبر مدارسا بأكملها غير مرتبطة بالتجربة الأم ، والبعض الآخر كان عالة عليها .
ففى السودان تأسست الحركة عام 49 ، وقاد حسن الترابى ( 1932 م ) أول ائتلاف إسلامى ( إخوانى / سلفى / تيجانى ) تحت مسمى جبهة الميثاق الإسلامى لخوض انتخابات عام 1968 ، وفى المغرب قام الدكتورعبد الكريم الخطيب ( 1921 م ) بتأسيس سلسلة من الأحزاب بدءا من حزب الحركة الشعبية 1959 إلى حزب العدالة والتنمية 1996 ، الذراع السياسيى لحركة التوحيد والإصلاح ، وفى تركيا قام المهندس نجم الدين أربكان بقيادة أول الأحزاب الإسلامية ، حزب النظام الوطنى عام 1971 ، وقد تطورت أشكاله إلى أن خرج منه حزب العدالة والتنمية الحاكم الآن فى تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان ، وحزب السعادة الذى يرأسه أربكان من خلف الكواليس للحظر السياسى المفروض عليه ، وفى تونس قام راشد الغنوشى بتأسيس حركة النهضة عام 1971 ، والتى لا يزال يرأسها حتى الآن ، وفى فلسطين قام الشيخ أحمد ياسين ( 1936 – 2004 ) بتطوير لجماعة الإخوان وقام بإنشاء حركة حماس 1987 .
وقد تأسست بعض الحركات والأحزاب الأخرى التى لم ترتبط نشأتها بشخصية معينة كما فى الحزب الإسلامى الماليزى ( 1986 ) فى ماليزيا ، وجماعة الإصلاح الإسلامية ( 1978 ) فى الصومال ، وفى عام 1990 نشأ التجمع اليمنى للإصلاح فى اليمن ، وحركة مجتمع السلم ( حمس ) فى الجزائر بقيادة محفوظ نحناح ( 1942 – 2003 م ) ، وغيرها أيضا فى الكثير فى البلاد العربية والإسلامية .
وقد قـُسمت الحركات الإسلامية التى نشأت فى هذه الفترة إلى :
1- حركات نشأت كفرع مباشر للجماعة الأم فى مصر ، ولم تغير من ثوبها ولا من طريقة عملها – إلا مؤخرا - كالإخوان فى الأردن وسوريا .
2- حركات نشأت كفروع مباشرة للجماعة ، ولكنها قامت بتطوير نفسها على أيدى رجال منها بعد فترة ، وبتجديد طريقة عملها وفكرها كما فعل الترابى فى السودان ، والشيخ أحمد ياسين فى فلسطين .
3- حركات عرفت باسم رجال من قطرها قاموا بحمل فكرة البنا ، ونفذوها بطرق مختلفة ، ومسميات متباينة تتماشى مع وضعهم كنجم الدين أربكان فى تركيا ، وعبد الكريم الخطيب فى المغرب ، وراشد الغنوشى فى تونس .
4- حركات لم ترتبط بفكر البنا ولا بمنهج الإخوان ، وكنموذج لها –على سبيل المثال لا الحصر - الحركة الإسلامية التى نشأت فى الهند على يد الإمام أبى الأعلى المودودى ، والذى أسس الجماعة الإسلامية عام 1941 ، ومن بعده أبو الحسن الندوى ( 1913 – 1999 م ) ، الذى كان له نشاط بارز فى الهند وباكستان وكافة أرجاء العالم الإسلامى .
وقد ظهرت على هذه الفترة بعض الملامح التى ميزتها فى بنائها النخبوى :
1- أن نظام بناء الحركات والأحزاب اعتمد اعتمادا رئيسيا على تربية الأجيال التى تتسلم قيادة هذه الهيئات تباعا ، ولا تتوقف بمجرد وفاة مؤسسيها .
2- أن هذه النخب أولت اهتماماتها لإصلاح السياسة أملا فى الوصول إلى الحكم الذى هو تركتها الشرعية بعد أن دفعت من دمائها فى حركات التحرر الوطنى فى مرحلة سابقة .
3- أن الأولوية الثانية كانت إعادة بناء الفكر الإسلامى ، ومواجهة حركات التغريب على مستوى أبناء كل حركة .
4- أن الخطاب الجماهيرى لهذه الحركات كان خطابا دفاعيا ، بمعنى أنه لم يكن يهتم ببناء القلاع والقواعد الإسلامية ، أكثر من اهتمامه بهدم الحصون والأفكار الغربية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البحث الثانى ( الفراقد ) | السمات:البحث الثانى ( الفراقد )
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























