المنـــبر


 

الفراقد : الفصل الأول

كتبهاأحمد أبو خليل ، في 1 أغسطس 2008 الساعة: 03:08 ص

 

الفراقد .. نظرية فى البناء النخبوى

 

من النخـبـة ؟

 لغويا .. النخبة من انتخبَ الشيءَ : اختارَه ، ونُخْبة القَوم ونُخبتهم: خِيارُهم ، ويقال: جاءَ في نُخَبِ أَصحابه أَى في خيارهم ، ونَخبته أَنْخُبه إذا نزعته . والانتخابُ: الاختيارُ والانتقاءُ؛ ومنه النُّخَبةُ، وهم الجماعة تُخْتارُ من الرجال، فتنتزع منهم. وفي حديث عليّ، عليه السلام، وقيل عمَر: وخرجنا في النُّخْبةِ ؛ النُّخْبة ، بالضم: المُنْتَخَبُون من الناس، المنتَقون .

أما دلاليا فليست النخبوية هنا هى تلك الكلمة - سيئة السمعة – التى باتت تطلق الآن على كل حركة سياسية أو جماعة فكرية ، تتقنع برؤى فوقية ، ولا تدور أفكارها فى أفلاك الواقع الاجتماعى ، أو ترتبط فعالياتها بهموم المواطن العادى ، ولكن النخبة هنا هى تلك الطبقة الطبيعية التى وجدت فى كل أمة من الأمم على مر الدهور ، وتعاقب الايام ، فهى طبقة اجتماعية يقيض الله لها من أسباب الوجاهة ، ووسائل الدنيا ( المادية والمعنوية ) ، ما يهيئهم للتأثير فى الناس ، واستلباب ( من السلب : الاستحواز ) ألبابهم وأفئدتهم ، وقيادتهم فى ميادين الحرب والسلم على السواء ، وسواء أأدى ذلك إلى هلاكهم ، أو نجاتهم ، وسواء أكانت هذه الطائفة من المصلحين أم من المفسدين ، فإن الله ركب فى ذهن عامة الخليقة أن تبذل شيئا من الإذعان والاتباع لهذه الطائفة التى لا تخل منها أمة من الأمم ، ولو كانت حتى من أمم الجن أو الطير و الحيوان .

 وقد نأخذ سويا فى طى صفحات التاريخ لاستعراض صدق مقولتنا ( فى الفقرة السابقة ) ، والتدليل عليها من حياة الأمم والشعوب ، وتقلب أسمائهم ، وتغير ألقابهم ، من أول الملأ من قوم نوح وشعيب إلى رهط لوط ، إلى الملأ من قوم فرعون إلى عظماء القرى العربية ، إلى الصحابة ، والتابعين ، ثم علية القوم ، وبياض البلد ، وأصحاب الحضرة ،  ثم الأرستقراطيين ، وأصحاب الياقات البيضاء ، ثم النخب ، وهؤلاء جميعا على أصناف ثابتة يتقاسمومنها بتفاوت فى كل أمة وعصر من : الوزراء ، وقادة الحرب ، وأهل الحكمة ، والعلماء ، والكتاب ، والشعراء ، والسحرة ، وكبار التجار ، والخطباء ، أى : نخب سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وفكرية ، وفى هذا إطالة للبحث فى غير فائدة تذكر من إثبات بدهية لا نختلف عليها إلا بقدر ما نختلف عن نسبتها فى كل أمة ، وارتباط هذه النسبة  بتقدم هذه الأمة أو تخلفها .

 لكن ما أحب أن أبدأ به هو توضيح موقع هذه النخبة تحديدا من المجتمع ، ومحاولة تعريفها تعريفا دقيقا ، فقد يظن ظان أن النخبة التى أتكلم عنها هى أهل الحكم ، وخاصة ُ الأمراء والسلاطين ، وليس هذا من رأيى ، لأننى عندما قسمتهم لم أذكر منهم الأمراء ، وإنما ذكرت الوزراء ، والمعروف على مر التاريخ ، أن الأمراء يرتفع بهم نسبهم إلى هذا اللقب وحسب ، ومنهم الذى يؤثر فى قومه ، ويذكر فى التاريخ ، ومنهم من ليس له ذكر ، أما الوزراء ، ففى أغلب الأحيان يصلون إلى مناصبهم بمواهبهم وقدراتهم فى تسيير أمور البلاد والعباد ، ويقومون بالتأثير سلبا كان أم إيجابا فى فترتهم ، ولذلك أقول إن النخبة الاجتماعية ليست هى النخبة الحاكمة .

 وأيضا النخبة هنا – كما أنها ليست الحاكمة – فلا يكتسب أحد من أصنافها ( المذكورين فى الفقرة قبل السابقة ) مكانتها بمجرد كونه كاتب أو عالم ، أو غير ذلك ، وإنما يشترط لذلك الشهرة المرتبطة بمدى التأثير الذى يحدثه فى الجتمع ، ونقول أيضا بالسلب كان أو بالإيجاب ، فكم من عظماء عاشو ولم يؤثروا فى مجتمعاتهم ، فلم يبك عليهم التاريخ . 

 إذن بهذين الاحترازين يمكننا أن نستوضح بعض معالم النخبة ، من أن تأثيرها يفوق تأثير السلطان من حيث أنها تؤثر عليه ، لا هو الذى يسيطر عليها ، وفى الوقت نفسه تسيطر على الطبقة الأقل منها ، إذن هى وسيط بين الحاكم والمحكوم ، وهى قنطرة أيضا للوصول إلى سدة الحكم فى الأمم التى لا يتـَّبع الحكم فيها عصبية أو تغلـُّب ، وهى أيضا لا تكون نخبة إلا إذا كانت مؤثرة – حسب رؤيتى – لا يغنى عن تأثيرها قوة بنائها من ضعفه ، وسداد رأيها من فساده .

 

النخب وحركات البناء الإسلامى

 عندما بدأت الدعوة الإسلامية بمكة المكرمة كانت نسبة النخبوية فى أوائل المسلمين نسبة عالية تفوق السبيعين فى المئة ، ونستطيع أن نقول أن أبا بكر وكل من أسلموا على يديه داخلون فى عداد فئة النخبة (  عثمان بن عفان – طلحة بن عبيد الله – عبد الرحمن بن عوف .. إلخ ) ، ولم تقل هذه النسبة فى الأعداد اللاحقة لهم ممن هم على شاكلة مصعب بن عمير ، و حمزة بن عبد المطلب ، وعمر بن الخطاب ، وكل هؤلاء كانوا نخبا فى قومهم قبل إسلامهم ، وأصبحو أيضا كذلك فى الإسلام ( خياركم فى الجاهلية ، خياركم فى الإسلام ) ، ولكن تكونت فئة جديدة من النخبة الإسلامية الخاصة ، والتى لم يكن لها ذكر ولا تأثير فى الجاهلية وهى فئة الموالى والعبيد ، ثم علا ذكرهم ، وتميز أدائهم فى الإسلام كزيد بن حارثة ، و عبد الله بن مسعود ( الذى كان أول من جهر بالقرآن ) ، وبلال بن رباح ( مؤذن الرسول بعد ذلك ) .

 وبانتقال الجماعة المسلمة إلى المدينة لم يتوقف النبى ( صلى الله عليه وسلم ) عن حكرة البناء النخبوى ، حتى أنتج جيلا نخبويا كاملا يسمى جيل الصحابة ، بفرعيه : المهاجرين والأنصار ، وبتجمعاته المختلفة : العشرة المبشرون بالجنة ،  أصحاب الهجرتين ، من شهدوا بدرا ،أصحاب الشجرة ( بيعة الرضوان ) ، هذا الجيل هو البناء المتين ، والسد المنيع ، الذى حفظ بيضة الإسلام ، والذى قام بنشره على هذا المستوى من الكفائه والسرعة ، ولو كان النبى قد ترك من طائفة أصحابه تلك من عشرة إلى خمسين رجلا أو حتى وصلوا إلى المائة فقط  ، لما رأينا كل هذا النجاح ، ولكنهم كانوا بالمئات ، مما مكن لهم بناء امبراطورية الإسلام فى عهد الخلفاء الراشدين .

 ويأتى الجيلان التاليان لهما ، وهما جيلا التابعين ( أبناء الصحابة ) ، وتابعى التابعين ، ليحملوا نفس الخصائص من حيث التأثير الكمى والكيفى النخبوى ، على الرغم من قلة اهتمامهم بانتزاع مكانتهم التأثيرية التى سبقت فى جيل الصحابة ، وإن كان ذلك أيضا لزوال الحكم الرشيد ، ومزاحمة أهل السلطان من غير طبقة التابعين فئة النخبة ، على عكس المرحلة السابقة التى تطابقت فيها الطبقة الحاكمة مع النخبة المؤثرة .

 

النخبة ومجددو البناء الإسلامى

تنتهى حركة البناء الإسلامى باكتمال أركان دولة الإسلام فى أوائل عهد بنى أمية ، وبانتهاء القرن الأول من عمر الإسلام يظهر أول مجددى الإسلام بصورة الحاكم وهو عمر بن عبد العزيز( 62 – 101 هـ ) الذى أعاد لطبيعة الحكم السياسي في الإسلام دوره الريادى والحضارى، بعد الأزمات السياسية والوراثية الذي عاشتها الأمة بعد استشهاد الخليفة الرابع، علي بن أبي طالب 40هـ، وانقسام الأمة إلى سنة وشيعة وخوارج،  ، ولكن هذا النمط – نمط الحكام – من المجددين لم يتكرر ثانية حيث ظهر على رأس المئة الثانية من عمر الأمة الإمام محمد بن إدريس الشافعى (150 - 204هـ ) ، حيث برز في تجلية أحكام الدين وأصوله في كتابه الرسالة، من خلال منهجه المحكم لعلم الأصول، بعد افتراق المدرستين الكبيرتين في الفقه وأصول الاستنباط، وهما الحنفية والمالكية، وبداية عهد الطعن في السنة ومحاولة البعض إلغاء ، ولكن نموذج العالم المجدد – كالشافعى -  تكرر بعدها مرارا من الإمام الغزالى إلى ابن تيمية ، وذهب بعض العلماء إلى أن حديث التجديد (عن أبي هريرة الذي قال: فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها أمر دينها سنن أبي داود ) ، أن هذا الحديث من الوارد أن يتسع لأكثر من مجدد فى العصر الواحد ، وذلك باتساع ميادين التجديد  ، والمجالات التى يجددون بها ، وباتساع الأمة الإسلامية ، ورقعة التأثير لهم .

 وقد تميزت هذه الفترة بأنها كانت تتمحور حول أشخاص أفذاذ ترتفع بهم أعمالهم ، ومدى تأثير هذه الأعمال ، إلى اعتبارهم مجددين ، وسواء أبقى لهم بعد ذلك عصبة أو جماعة تتمثل خلاصة أفكارهم وعلمهم ( كالمذهب الشافعى ) ، أو انساب علمهم وتخلل بين المذاهب والرؤى والأفكار  كالإمام الغزالى ( 450 – 505 هـ ) ، أو ابن تيمية ( 661 – 728 هـ ) .

 وقد ظهر نمط المجددين من الحكام أيضا  فى فترات تعرض العالم الإسلامى للغزوات الخارجية من الصليبيين أو المغول أو غيرهم ، وظهر ذلك جليا فى شخصيات صلاح الدين الأيوبى ( 532 – 589 هـ )  ، وسيف الدين قطز ، والظاهر بيبرس ، والدليل على أن تجديد هؤلاء كان فرديا وليس نخبويا ، أنهم بمجرد أن يقضوا نحبهم حتى تعود البلاد إلى سيرتها الأولى ، كما حدث فى عهد ما بعد صلاح الدين حيث ضيع أبناؤه وخلفاؤه كل ما كسبه صلاح الدين من الصليبيين حتى بيت المقدس نفسه ، ولو كان هذا التجديد نخبويا ، لما حدثت هذه الانتكاسة ، التى لم تـُقل عثرتها إلا بالمماليك بعد ذلك .

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البحث الثانى ( الفراقد ) | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



إذا لم يعِش حرِاً بموطنه الفتى    فسمِّ الفتى مَيْتا وموطنه قبرا