الفراقد : الفصل الثالث
كتبهاأحمد أبو خليل ، في 1 أغسطس 2008 الساعة: 03:00 ص
النخب الغربية ( اليهود نموذجا )
كما قررنا فى البداية بأن الحركة النخبوية ليست حكرا على أمة دون أخرى ، ولا وقفا على المصلحين ، دون المفدسدين ، وأن على كل جبهة من هؤلاء ، وعلى كل أمة أن تتعلم من نخب الأمم الأخرى ، إن أثمرت حركتهم عن تأثير أكثر فى أممهم تلك ، ولذلك لم نغفل هذا الجزء من نخب الغرب ، الذين تبلورت عندهم النظرية النخبوية بشكل كبير يسمح لهم بتصديرها إلينا بشكلها ومضمونها على السواء ضمن عملية التغريب السالف ذكرها .
ولا نستطيع أن نستقصى الحركة النخبوية فى الغرب وأثرها فى التحول الحضارى الكبير ، والثورات الصناعية التى شهدتها أوروبا قبل قرنين من الزمان ، ولكننا سنأخذ تجربة واحدة من هذه النخب ، قد تكون الاستفادة منها على نحو أكبر ، وهى التجربة النخبوية اليهودية .
لليهود خصوصية فى التجربة النخبوية دون معظم الأمم والشعوب ، حيث ترتفع نسبة النخبوية فيهم بدرجة عالية جدا ، وتعد معظم الجاليات اليهودية فى العالم نخبا فى بلادهم ، يسيطرون على الاقتصاد أولا ، ثم تأتى بقية المجالات الأخرى بتفاوت ن وسواء أكانت هذه البلاد بلاد عربية أم غربية ، والحال كان واضحا فى مصر ، وما كان عليه حال العائلات اليهودية فيها ، وسوف نتناول جانب من أثر الحركة النخبوية اليهودية على إقامة الدولة اليهودية ، ثم على السيطرة على الإعلام العالمى .
1- الصهيونية .. نخبوية تبنى دولة :
بالطبع لم يكن بناء وطن قومى لمجموعة من البشر يسمون يهودا من أولويات الدول الأوروبية وأمريكا وروسيا ، أو أن هذه الدول أصبحت من نومها فى يوم تنادى بذلك ، ولكن المفاجىء أن هذا الوطن القومى لم يكن أيضا مطلبا لأغلبية اليهود فى العالم حتى عام 1903 ، والذى جعل هذا المطلب على أولويات الدول الأوروبية ، وعلى رأس قضايا اليهود فى العالم هى تلك الفئات النخبوية التى تجمعت من شتى أقطار الأرض بناء على دعوة من تيودر هرتزل ( 1860 – 1904 م ) لحضور المؤتمر الصهيونى الأول فى مدينة بازل السويسرية عام 1879 م ، وتيودر هرتزل لا يعد أبا للدولة الصهيونية فقط لأنه دعى إلى هذا المؤتمر ، ولا لأنه ترأس الحركة الصهوينية التى تأسست فى اليوم نفسه ، ولكنه كان رجلا صاحب رؤية ثاقبة ضمنها كتابه الذى نشره قبل عام واحد من المؤتمر بعنوان الدولة الصهيونية ، وكان عبارة عن تنظير يفضى إلى حتمية قيام الدولة اليهودية فى غضون خمسين عاما من وقت صدور الكتاب ، وكان المؤتمر بالطبع أول خطوة فى الطريق الذى رسمه هرتزل ، وساعده فيه أيضا جمع من النخب اليهودية ذات العلاقات والأموال والأقلام فى أرجاء أوروبا ومن بعدها أمريكا مثل حاييم وايزمان ( 1874 – 1952 م ) الذى ترأس الوكالة اليهودية ( الجهاز التنفيذى للحركة الصهيونية ) فى نفس يوم المؤتمر الأول ، والذى أصبح بعدها بأكثر من نصف قرن أول رئيس لدولة إسرائيل عام 1949 م ، وفى كل جيل يوجد مثل هذه النخبة مثل دافيد بن غوريون ( 1886 – 1973 م ) أول رئيس وزراء لإسرائيل ، و جولدا مائير (1898 – 1978 م) التى ترأست مجلس الوزراء عام 1969 .
ومن يقرأ كتاب بروتوكلات حكماء صهيون يعلم فعلا كم قصرت نخب العالم الإسلامى عن الوصول إلى هذا المستوى من التخطيط والتفكير للتأثير والسيطرة على كل هذه الدول والشعوب لتجعل مصلحتها فى مصلحة اليهود ، ولا أدل على ذلك من العمليات الإرهابية التى طالت القوات البريطانية فى فلسطين من فرق الهاجاناه اليهودية ، بعد أن أخذوا من بريطانيا ما يريدونه من وعد بلفور ن وأصبح الوجود البريطانى ثقيلا عليهم ، فلم يتورعوا فى إزهاق أرواح عشرات الجنود الذين كانوا حاميتهم بالأمس القريب ، لتضطر الحكومة إلى سحب قواتها ، وإنهاء الانتداب البريطانى .
والجديد فى قضية النخب اليهودية أن هدفها لم يكن إقامة مستعمرة يهودية ، بل إقامة دولة يهودية بكل ما تحمله الدولة من معانى ، فإذا احتجت النخب الإسلامية بأن الدول الأوروبية ساعدتهم عسكريا وماليا ، فمن الذى ساعدهم كى يحيوا لغتهم من الممات ، من الذى ساعدهم كى يقيموا الجامعات ، والكيانات الثقافية ، والهيئات التعليمية ، والمؤسسات الإعلامية ، كل هذا لما كان يحدث لولا أن نسبة النخبوية ترتفع فى هذه الدولة بدرجة لا تعادلها نسب النخبوية فى ما حولها من دول العالم الإسلامى ولا حتى تقارن بها ، وهذا ما أحدث التفاوت الكبير والبون الشاسع بين عقلية المهاجر اليهودى لفلسطين ، وعقلية الفلاح أو التاجر الفلسطينى العادى ، الذى لم يكتشف هذا الفرق إلا بعد أن رأى نفسه مطرودا من وطنه بعد نكبة 48 .
2- الإعلام اليهودى ( هوليود نموذجا ) :
كيف يمكن لأقلية عددها 2.5% من عدد السكان في أمريكا أن تسيطر على صناعة السينما في هوليود ؟ ، سؤال طرح بشدة بعد التصريح الذى أدلى به الممثل الأمريكى ( مارلون براندو ) على الهواء فى برنامج ( لارى كنج شو ) فى إبريل 1996 حيث قال : اليهود يحكمون هوليود ، بل إنهم يملكونها فعلاً ، ولم يكن هذا هو رأى براندو فقط بل كان رأى ( نيل جالبر ) أيضا الذى ألف كتابا بعنوان : كيف أنشأ اليهود هوليود ، وجاء فيه أيضا : إنهم هم الذين أنشئوها بالفعل .
والقارىء لكتاب بروتوكلات حكماء صهيون يجد التفسير الواضح لمحاولة مسخ الحركة النخبوية على مستوى الأمم والشعوب ، وحصرها فى هذا المجال المسيطر عليه سلفا ، فقد جاء في البروتوكول الثالث عشر من بروتوكولات حكماء صهيون : علينا أن نلهي الجماهير بشتى الوسائل ، وحينها يفقد الشعب تدريجيا نعمة التفكير المستقل بنفسه ، سيهتف جميعا معنا لسبب واحد ، هو أننا سنكون أعضاء المجتمع الوحيدين اللذين يكونون أهلا لتقديم خطوط تفكير جديدة .
ولذلك لم يبخلوا عليها بجهد ولا بمال فنجد أن مارفن جوذفسون رئيس وكالة المواهب المسرحية والأدبية في هوليود هو هو رئيس لجنة العمل السياسي في منظمة إيباك اليهودية والتي دشنها النجم اليهودي وودي آلان، حينما صرَّح بأول نداء لجمع التبرعات في أمريكا من أجل مناصرة قضايا اليهود ، وهذا على سبيل المثال .
إذن فاليهود لم يستطيعوا فقط أن ينشئوا وطنا لهم فى قلب العالم الإسلامى ، بل استطاعوا أن ينشئوا أعشاشا لهم فى كل بيت مسلم ، بل فى بيت كل إنسان على وجه الأرض ، يوجهون العقول ، ويشبعون الحاجة النفسية للكائن البشرى فى الحاجة إلى وجود المثال الذى يتطلع إليه طوال حياته دون حتى أن يحاول اللحاق به .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : البحث الثانى ( الفراقد ) | السمات:البحث الثانى ( الفراقد )
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























