نص المخطوطة
وقف الشيخ سالم في المصلى ، وهو يكبِّر مقيما صلاة العشاء ، وانتظم المصلون صفوفا خلفه ، وراحوا يتلون أدعيةً وأورادا قبل أن يدخلوا فى الصلاة ، وإذا بصرخة حادة تشق سكون الليل ، وتلتها صرخة ثانية فثالثة ، وتتابعت الصيحات عالية ترن في هذا السكون الشامل .
واستولى على المصلين شبه ذهول لهذه المفاجأة ، ولكنه سرعان ما انقلب إلى رغبة في مساعدة المستغيث ، فتركوا صلاتهم ، وأخذوا يثبون إلى الطريق ، وينطلقون مسرعين تجاه مصدر الصوت .
وكانت أصوات الاستغاثة لا تزال ترن من بُعد ، ولكنها أخذت تضعف ، حتى إذا وصل الرجال إلى مصدر الصوت كان كل شيء ساكن إلا من بكاء طفل رضيع وجدوه ملقى على الأرض يضرب فى لفائِفه ، ووجدوا قريبا منه كتلة سوداء ، لم تكن إلا جثة والدته باردة لا حياة فيها ، تسبح في بركة من دمائها . *
وما كاد السابق منهم يصل إلى المكان حتى صاح الشيخ سالم :
- ها هو يجري ، أسرعوا خلفه .
- فقال آخر : عمََّ تتكلم ؟
فاستطرد وهو يجري : الذئب .. الذئب .. ألا تروه ، إنه هناك عند مسقى درويش ، أسرعوا قبل أن يدخل الفول .
وهنا بزَّ الرجال على ضوء القمر الذي ظهر من فرجة بين السحب كتلة سوداء صغيرة تظهر وتختفي ، في قفزات واسعة سريعة متجة إلى حقل حسين درويش المنزرع فولا لملاحقته ، فناداهم الشيخ سالم وقد نصب من نفسه رئيسا عليهم :
- لا بد أن يصل الفول قبل أن ندركه فالأفضل أن نقطع عليه الطريق .. مهلا .. دعوه يدخل الفول .. اذهب أنت يا فهمي و…
ولكن ما كان الفلاحون لينتظروا تلقِّى أوامره فلم يتم كلامه ، وراحوا هم يطاردون الوحش دون تدبر ، ووقف الشيخ سالم مغتاظا * لعدم تنفيذ كلامه ، وما هو إلا قليل حتى أبصر شبح الذئب يظهر في حقل مكشوف ، وبعد ثوانٍ كان قد توارى ثانيا فى القمح .
وآلم الشيخ سالم أن يظل هذا الوحش الضارى في مجاوَرَة بلدتهم يهددهم في دواجنهم ، ومواشيهم ، بل وأرواحهم أيضا . وقطع عليه تفكيره صوت صفارة حادة عالية ترن في الفضاء فانتبه ودار على عقبيه ورجع المسافة القصيرة التي كان قد مشيها ، فوجد الخفير واقفا إلى جانب الجثة ، وفي فمه صفارته ينبه بها الناس إلى وقوع الحادث ، فقال له :
- لم كل هذا الضجيج يا هلال ؟ اذهب فبلغ النقطة ، ولا داعي لإقلاق الناس وجمعهم حول المسكينة . هل عرفت من هي ؟
- نعم إنها صباح .
- صباح ؟ زوجة عبد السلام سعد ! ، لا حول ولا قوة إلا بالله .
- أرجوك يا شيخ سالم أن تبلغ العمدة ، لأني لا أستطيع مفارقة المكان حتى يحضر البوليس . *
- إنى ذاهب .. إنى ذاهب .. رحمة الله عليك يا صباح
وهرول الشاب في طريقه إلى القرية ، وهو لا يفتأ يترحم على صباح أجمل فتيات القرية خَـلقا وخـُلقا .
* * *
وبُلغَت الحادثة ، ولكن الملاحظ كان قد خرج في دورية ليلية ، وجاء أمر بحراسة الجثة حتى الصباح لحين حضور الملاحظ .
وقف ملاحظ بوليس نقطة ( ….. ) أمام القتيلة يتأمل المواقع التي نهشها الذئب فتركها جروحا عميقة واسعة ممزقة الجوانب في غير نظام ، وكانت أنيابه الحادة ظاهرة الأثر في كثير من المواضع ، ففى العنق عدة قضمات على جانبى القصبة الهوائية وفوقها ، وهناك أثر مخلب على الصدغ الأيمن .. وثمت جرح آخر في أسفل الصدر وأعلى البطن وقد مُزقت عنه الثياب ، وبُقرت البطن فبرزت الأحشاء فى شكل بشع مؤلم ، وقد تقطعت فى مواضع عدة بسبب الأظافر التي كانت تعمل فيها بلا شفقة ولا هوادة . *
ولم يكن هناك حاجة لكثير بحث أو تدقيق ، فالجناية ثابتة ضد الوحش ، وكل الشواهد تدل على عدم وجود أي تدخل من بنى الإنسان فى الحادثة .
فتح الملاحظ المحضر وأثبت فيه وصف الحادث ، وأخذ يسمع أقوال الشهود مبتدأ بالشيخ سالم . وهو شاب في السابعة والعشرين ومن خريجى مدارس التعليم الأولى . فسأله بعد الاستفهامات الابتدائية .
- هل كنت أول من سمع الاستغاثة يا شيخ سالم ؟
- أنا وكثيرون غيرى كانوا معى نستعد لصلاة العشاء في المصلى .
- ومن كان أسبقكم إلى هذا المكان ؟
- فهمي إسماعيل ، ولكننا كنا جميعا في أثره متتابعين لضيق الطريق .
- إذا فهو الذي رأى الذئب أولا .
- بل أنا ياسيدى .
- يقول الخفير بأنك لم تكن مع الذين طاردوا الوحش . فلماذا ؟
- لأنني كنت أريد أن تكون المطاردة أكثر نظاما مما كانت ، خصوصا وأننا كنا غير مسلحين ، ولكن أحدا لم يسمع لقولى . *
- ومتى عرفت شخصية القتيلة ؟
- أخبرني بها الخفير ، ورجانى أن أذهب لإبلاغ الخبر للنقطة .
- كفى . أين فهمي إسماعيل ؟
- فتقدم إليه رجل جاوز الأربعين قائلا : نعم يا بيك .
- هل كنت أول من وصل إلى هنا ؟
- أى نعم يا بيك .
- وكيف لم تر الذئب أولا ؟
- لقد رأيته ولكنني شككت في كونه ذئبا .
- عجبا ! وهل يعجز مثلك عن معرفة الذئب ؟
- لا يا بيك . ولكنى أعلم أن الذئب لا يسلم في فريسته بهذه السهولة ، إنني يا حضرة البيك لم أسمع منه حتى أي صوت يدل على التذمر مع أن المسافة التي كانت بيننا لم تكن تزيد على /خمس/ خمسة أقصاب أو ستة .
وطلب المحقق الخفير النظامي فحضر مسرعا ، ووقف أمام رئيسه منتصب القامة ، وأدى التحية العسكرية قائلا : أفندم . *
- كيف عرفت بالحادث ؟
فانطلق الخفير يقول في صوت متزن النبرات ، غير متوقف أو متردد ، كأنما قد حضر إجابته منذ مدة وحفظها :
- سمعت الاستغاثة فحضرت مسرعا ، فلما رأيت القتيلة صفر/ ر/ت مرارا لأنبه الناس ، ولما حضر الشيخ سالم كلفته بتبليغ الحادث للعمدة ، وظللت واقفا هنا هنا حتى /حضرة/ حضر حضرة العمدة ، وكلفنى بحراسة الجثة لحين حضور حضرتكم يا أفندم .
فابتسم الضابط قليلا لهذه المحاضرة القصيرة ، ثم سمع شهادات أخرى ممن حضروا مع الشيخ سالم ، ولكنها لم تضف معلومات جديدة حتى جاء دور الزوج ، فقرر أن زوجته كانت ذاهبة إلى أهلها في عزبة على بعد كيلو متر ونصف من مكان الحادث ، وقال إنها خرجت بدون علمه لشجار حدث بينهما عند عودته من
























