توطئة :
ليس لأدب من آداب العالم – كانت عالمية أم لم تكن – منزلة ومكانة واجبة فى نفوس أصحابه كما ينبغى أن يكون أدبنا العربى ، ذلك أن آداب الأمم الأخرى : التراثى منها إنما يحمل تاريخا وثقافة ماضية ، تمثل حنينا كلاسيكيا إلى الماضى ، يُستمتع به حينا ولكن بين دفات الكتب ، أو على خشبات المسارح ، وعلى الأكثر أمام شاشات السينما ، والحداثى – أو المعاصر – منها هو تعبير عن الحاضر واستشراف للمستقبل ، وغالبا ما يأتى متمردا – وأحيانا مارقا - على اللغة شكلا وعلى الواقع مضمونا .
أما أدبنا العربى ؛ تجد أن التراثى منه إنما هو محضن لإرث الأمة ، وحام لكتابها الأول ، ثم لشريف الكلام من قول النبى ( صلى الله عليه وسلم ) ومن أسلاف الأمة من بعده ، فلا ينفصل أى أدب خرج عن ذلك الثوب الدينى أبدا ، والحاضر منه يقتفى إثر الآداب الأخرى ولا يتصل بموكبه الحضارى المهيب – إلا أقله – وهو بذلك يبعد عن الدرب المرسوم له ، ويرجِّع أنه : أدب للأدب ، وفن للفن !
وإن الشباب اليوم لو اتصلوا بآدابهم ، والكتب المصنفة فيها ، لزالت غشاوات كثر عن حقائق ماضيهم ، ولزادت أنوار مستقبلهم ، وفى تقوية اللغة ، وعودة الذوق كفاء لمطالعة هذا الإرث ، والخروج به عن دفات الكتب ، خروجا شكليا بعرضه بوسائل متعددة ووسائط حديثة ، وآخر جوهريا بالإفادة منه فى كل ما تسعى إليه الأمة الحين من العمل النهضوى ، الذى أرى هويته آخذة فى الضعف بسبب قلة بضاعة أصحابه – أصحاب العمل النهضوى من الإسلاميين خاصة – فى هذا الباب .
وإن هذه الأوراق هى إطلالة سريعة على سبعة من أهم كتب الأدب التراثية ، عرضتها سريعا – فهى إطلالة – ذاكرا أهداف أصحابها منها فى مقدماتهم ، وتقاسيمهم لمصنفاتهم ، وبعض الفوائد المتناثرة فيها ، متجاهلا لترجمات أصحابها ، ومعرضا عن طبعات الكتب وتحقيقاتها ، فهى رشفات سريعة من ماء عزاب ، عل الشارب أجاجا أن يهتدى إلى النبع يوما .
(1)
أدب الكاتب
ابن قتيبة الدينورى
213 – 276 هـ
أول كتاب ألِّف فى الصناعة الأدبية ، وأحد أركان كتب الأدب الأربعة وهى: هذا الكتاب ، والكامل للمبرد ، والنوادر لأبى على القالى وما سواها تابع لها ، ويضم فصولا مما يحتاج إليه الكاتب فى فنون الأدب ، ومواضيع شتى فى الأشباه والنظائر والنحو والصرف وقواعد الرسم والإملاء والموازنة بين آراء البصريين والكوفيين ، ألفه ابن قتيبة للوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل .
قال ابن خلكان : " والناس يقولون: إن أكثر أهل العلم يقولون: إن أدب الكاتب خطبة بلا كتاب، وإصلاح المنطق كتاب بلا خطبة، وهذا فيه نوع تعصب عليه، فإن أدب الكاتب قد حوى من كل شيء وهو مفنَّن، وما أظن حملهم على هذا القول إلا أن الخطبة طويلة، والإصلاح بغير خطبة " .
ويُعْرف الكتاب فى بعض المصادر بأدب الكتّاب ، وكذلك سماه الخطيب وابن الأنبارى وابن السيد البطليوسى المتوفى عام 421 هـ ، الذى عمل له شرحا سماه ( الاقتضاب فى شرح أدب الكتَّاب ) طبع فى المطبعة الأدبية ببيروت سنة 1901م ، وشرحه أيضا الجواليقى المتوفى سنة 539 هـ .
والمؤلف (أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى عام 276 هـ ) ، وقد ذكر سبب تأليفه للكتاب فى المقدمة من إعراض الناس والناشئة عن الأدب وأهله : "فإنِّي رأيت أكثر أهل زماننا هذا عن سبيل الأدب ناكبين، ومن اسمه متطيِّرين، ولأهله كارهين ، أما النَّاشئ منهم فراغب عن التعليم، والشَّادي تارك للازدياد، والمتأدِّب في عنفوان الشباب ناسٍ أو متناسٍ" ، وأيضا قلة بضاعة المتأدبين ، ونقص علمهم حيث يقول فى فقرة أخرى من المقدمة : "فإني رأيتُ كثيراً من كُتَّاب أهل زماننا كسائر أهله قد استطابوا الدَّعَة واستوطؤُا مركب العجز، وأعفَوْا أنفسهم من كدِّ النظر وقلوبهم من تعب التفكر، حين نالوا الدرَك بغير سبب، وبلغوا البغْية بغير آلةٍ "
وقد قسم الكتاب إلى أربعة فصول : كتاب المعرفة ، وكتاب تقويم اليد ، وكتاب تقويم اللسان ، وكتاب الأبنية يقول فى المقدمة : " فلما أن رأيت هذا الشأن كل يوم إلى نُقصانٍ، وخشيت أن يذهب رَسْمُه ويعفُوَ أثره ؛ جعلت له حظاً من عِنايتي، وجزءاً من تأليفي؛ فعملتُ لمُغْفِل التأديب كُتُباً خفافاً في المعرفة، وفي تقويم اللسان واليد، يشتمل كلُّ كتاب منها على فن "
وكتاب المعرفة يحتوى على أبواب ينبه فيها على بعض الكلمات التى يجب أن يعرفها المتأدب على وجهها الصحيح مثل : " معرفة ما يضعه الناس فى غير موضعه " ، " تأويل ما جاء مثنى فى مستعمل الكلام " ، " تأويل الكلام من كلام الناس المستعمل " وغير ذلك .
أما الكتاب الثانى فهو تقويم اليد ، أى تقويم الكتابة بسرد بعض أسس الإملاء ومشاكل الكتابة ومنها : " باب إقامة الهجاء ، باب ألف الوصل فى الأسماء ، باب ألف الفصل ، باب أسماء يتفق لفظها ويختلف معناها " .
والكتاب الثالث فى " تقويم اللسان " ويذكر فيه جملة مما يقع فيه الناس من الأخطاء اللغوية الصوتية والصرفية والنحوية ومنها :" باب الحروف التى تتقارب ألفاظها وتختلف معانيها ، باب ما جاء مضموما والعامة تكسره ، باب ما جاء فيه لغتنان استعمل الناس أضعفها " .
أما الباب الأخير فهو باب الأبينة ، وهو فى الأبنية التى تعطى دلالات ثابتة كأبواب " أفعل " الشىء " أتى بذلك ، واتخذ ذلك ، وباب أفعلته ففعل ، وباب ما جاء فيه المصدر على غير صدْرٍ " .
(2)
الأمالى
أبو على القالى
288 – 356 هـ
هو أيضا من أعمدة الأدب العربى الأربعة وقد قال فيه ابن حزم مقارنا بينه وبين كتاب الكامل للمبرد : " كتاب أبى على مبارٍ لكتاب أبى القالى الذى جمعه المبرد ، وإن كان كتاب أبى العباس أكثر نحوا وخبرا ، فإن كتاب أبى على أكثر لغة وشعرا ".أ
وقد أملى هذا الكتاب أبو على إسماعيل بن القاسم القالى البغدادى عندما استقدمه عبد الرحمن الناصر إلى قرطبة كى يدرس فى المسجد الجامع بالزهراء ، وهو يذكر ذلك فى بداية كتابه حيث يقول : " فإني لما رأيت العلم أنفس بضاعة، أيقنت أن طلبه أفضل تجارة، فاغتربت للرواية، ولزمت العلماء للدراية، ثم أعملت نفسي في جمعه، وشغلت ذهني بحفظه، حتى حويت خطيره، وأحرزت رفيعه، ورويت جليله، وعرفت دقيقه، وعقلت شارده، ورويت نادره، وعلمت غامضه، ووعيت واضحه، ثم صنته بالكتمان عمن لا يعرف مقداره، ونزّهته عن الإذاعة عند من يجهل مكانه، وجعلت غرضي أن أودعه من يستحقه، وأبديه لمن يعلم فضله، وأجلبه إلى من يعرف محله، وأنشره عند من يشرفه، وأقصد به من يعظمه، فأمللت هذا الكتاب من حفظى فى الأخمسة بقرطبة، وفى المسجد الجامع بالزهراء المباركة، وأودعته فنون من الأخبار، وضروبا من الأشعار، وأنواع من الأمثال، وغرائب من اللغات، على أنى لم أذكر فيه باباً فى اللغة إلا أشبعته، ولا ضرباً من الشعر إلا اخترته، ولا فناً من الخبر إلا انختلته ، ولا نوعاً من المعاناة والمثل إلا اسجبته، ثم لم أخله من غريب القرآن، وحديث الرسول " صلى الله عليه وسلم " ، على أننى أوردت فيه من الإبدال ما لم يورده أحد وفسرت فيه من الإتباع ما لم يفسره بشر " .
وقد قسم أبو علي القالي أماليه إلى مطالب، وخص كل مطلب بموضوع واحد، يورد فيه كل ما يتعلق به من حِكَم وشعر وأمثال، أو يأتي بكل دليل تناول ذلك المطلب، حتى يُجلِّيه لمبتغيه، في أسلوب أدبي جذاب، يجعلك لا تننتهي من قراءة مطلب حتى تتشوق لمعرفة محتوى المطلب الذي يليه ، و مطالب الكتاب تطول وتقصر، فتأتي بحسب ما يحتاجه المطلب من إيضاح أو بيان، فترى مطلبًا لم يبلغ الصفحة الواحدة، وآخر تجاوز ثلاث صفحات أو أربعًا. ومطالب الأمالي تكاد تكشف عن هويتها عند قراءة عناوينها. ولئن لم تكن تلك العناوين من صنع أبي علي، فقد أحسن مصححو الكتاب وناشروه تصنيفًا حين وضعوها في رؤوس المسائل، لتسهل للقارئ الوصول إلى مبتغاه، وانتقاء ما يحتاجه من تلك الأزاهير الفواحة، المشتملة عليها حديقة الأمالي .
(3)
البيان والتبيين
الجاحظ
163 – 255 هـ
آخر كتب الجاحظ تأليفا ، وأحد أركان الأدب العربى ، كشف فيه الجاحظ عن سحر البيان العربى فى مجالى الكتابة والخط فى حديثه المستفيض عن فرسان القلم واللسان ، وتصدى فيه لأولى حركات الشعوبية ، مفندا آراء دعاتها ، مزيفا كل شبهاتها . وقدمه لخزانة القاضى أحمد بن أبى دؤاد ، وكان هذا من ألد أعداء الوزير ابن زيات - الذى ألف الجاحظ له كتاب الحيوان - فلما قتل ابن الزيات كما يقول ياقوت ( فى معجم الأدباء ) جىء بالجاحظ إلى ابن أبى دؤاد مصفدا بالأغلال ، فلما دخل عليه أخذ فى تقريعه وتأنيبه ، فأحسن الجاحظ استيعابه ، فحل عنه الغل ، وأحسن إليه ، وصدره فى المجلس .
وقد أخذ الجاحظ فى مقدمة الكتاب يبين فضل الحديث والبيان ، والآثار المروية فى فضل تزيينه وتفنينه من الشعر والنثر ، ومن القرآن والحديث ، وأيضا فى ذم العى والخطأ فى الكلام ، وأيضا عمل على هذا الجانب فى ثنايا الكتاب كما فى باب " ما قالوا فيه من الحديث الحسن " .
وتناول فى الكتاب الكثير من القضايا الجديدة مثل الأخطاء الصوتية فى باب " ذكر الحروف التى تدخلها اللثغة وما يحضرنى منها " وأصَّل فيه لبعض الخصائص الصوتية للغة العربية ومنها فكرة أن اللغة بها حروف لا تجتمع فى الكلمة الواحدة مثلا ، وغير ذلك من القضايا الصوتية .
واحتوى المصنف على الكثير من الخطب ومنها : خطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخطبة عبد الله بن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبى حمزة الخارجى ، والأحنف بن قيس ، وعبيد الله بن زياد ، وباب فى الخطب القصار من خطب السلف ، وذكر فى أبواب أخرى أسماء الخطباء والبلغاء المعروفين فى عصره وعند السلف ، وباب من خطباء الخوارج على ذات النهج .
وأيضا ذكر الرسائل ومنها رسالة عمر بن الخطاب إلى أبى موسى الأشعرى ، ورسالة إبراهيم بن سيابة إلى يحيى بن خالد بن برمك ، ويعد فنا جديدا أثبته فى كتابه ونبه عليه .
وأيضا أخذ فى ذكر أسماء بعض الجماعات من أول البلغاء والخطباء إلى النساك والزهاد ، إلى النوكى والحمقى والمغفلين ، ويورد من بليغ حديثهم ، وحتى من يلحن منهم حيث نجد باب " ومن اللحانين البلغاء " .
(4)
الحيوان
الجاحظ
163 – 255 هـ
أجل كتب الجاحظ وأضخمها ، وأول موسوعة من نوعها فى تاريخ العرب ، ألفه الجاحظ وهو فى السن العالية والفالج الشديد ، وذلك بعد مقتل المتوكل سنة 247 هـ وأهداه للوزير محمد بن عبد الملك الزيات ، وقدم له بمقدمة مسهبة فى فن الكتابة وأسرار التأليف ، ضمنها فصولا طويلة فى الدفاع كتبه بما فى ذلك الحيوان ، فجاءت فى فن الكتابة وتاريخ الكتاب العربى ، بمثابة مقدمة ابن خلدون فى علم التاريخ .

























اختتم المؤتمر الدولى الخامس لرابطة الأدب الإسلامى أعماله أمس بالقاهرة وسط دعوات لتفعيل أبحاث المؤتمر وما انتهى إليه من توصيات فى سبيل إكمال مسيرة الأدب الإسلامى التى تدعو إليها الرابطة ، وكانت رابطة الأدب الإسلامى قد عقدت بالتعاون مع جمعية رابطة الأدب الإسلامى بالقاهرة مؤتمرها الخامس على مدار ثلاثة أيام تحت عنوان المشروع النقدى للدكتور عبد العزيز حمودة ، و شارك فى المؤتمر عدد من النقاد والأدباء من كل من مصر وسورية والمغرب والجزائر والسعودية والأردن واليمن ، وقدموا حوالى عشرين بحثا متخصصا حول المشهد النقدى المعاصر وبالأخص منهج